وقد قيل أيضا : من تلك النّعم أنّ تلك الشّدّة زائلة غير دائمة ، وأنّها من اللّه تعالى دون غيره ، وإن كانت بسبب مخلوق فإنّها لك عليه لا له عليك ، فإذن يلزم العبد الشّكر
شرح
ومن استحق عليك أن يضربك مائة سوط فاقتصر على عشرة مثلا فهو مستحق للشكر ، وكذا من استحق عليك أن يقطع يديك جميعا فترك إحداهما فهو مستحق ولو ضربك مائة سوط كاملا أو قطع يديك جميعا ما ذا كنت تصنع ، ولذلك مر بعض الشيوخ في شارع فصب على رأسه طست من رماد فسجد للّه تعالى سجدة الشكر ولم يتغير حاله الذي كان عليه ، فقال له أصحابه الذين شاهدوا ذلك منه ما هذه السجدة في هذه الحالة ؟ فقال كنت أنتظر أن تصب على النار فالاقتصار على الرماد نعمة . هذا نظر العارفين باللّه حيث جعل صب الرماد عليه مصالحة عن النار التي كان يستحقها .
فان قلت : كيف أفرح وأرى جماعة ممن زادت معصيتهم على معصيتي ولم يصابوا بما أصبت به حتى الكفار ؟ فاعلم أن الكافر قد خبىء له من العذاب أكثر وإنما أمهل وترك حتى يستكثر من الاثم ويطول عليه العقاب كما قال تعالى« إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً »وقال تعالى« وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ » *وأما العاصي فمن أين تعلم أن في العالم من هو أعصى منه ورب خاطر يخطر بسوء أدب في حق اللّه تعالى وفي صفاته ما هو أعظم وأطم من شرب الخمر والزنا وسائر المعاصي بالجوارح ، ولذلك قال اللّه تعالى في مثله« وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ »فمن أين تعلم أن غيرك أعصى منك ثم لعله قد أخرت عقوبته إلى الآخرة وعجلت عقوبتك في الدنيا فلم لا تشكر اللّه تعالى على ذلك وهذا أحد الوجوه في الشكر على المصيبة » وهو أنه ما من عقوبة إلا وكان يتصور أن تؤخر إلى الآخرة فيعظم عذابها ومصائب الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخر تهون المصيبة فيخف وقعها وأثرها ، ومصيبة الآخرة تدوم وإن لم تدم فلا سبيل إلى تخفيفها بالتسلي عنها بأسباب أخر إذ أسباب التسلي مقطوعة بالكلية في الآخرة عن المعذبين لانقطاع الأحساب والأنساب ، ومن عجلت عقوبته في الدنيا فلا يعاقب ثانيا إذ الجمع بين العقوبتين مما يخالف الكرم ، إذ قال رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم « إن العبد إذا أذنب ذنبا فأصابته شدة أو بلاء في الدنيا فاللّه أكرم من أن يعذبه ثانيا » رواه الترمذي وابن ماجة من حديث على رضى اللّه عنه كما ذكره العراقي ( وقد قيل أيضا ) أي كما قاله ابن عمر رضى اللّه عنهما ( من تلك النعم أن تلك الشدة زائلة غير دائمة وأنها ) أي تلك الشدة ( من اللّه تعالى دون غيره ) وكانت مكتوبة عليك في أم الكتاب وكان لا بد من وصولها إليك وقد وصلت ووقع الفراغ واسترحت من بعضها أو من جميعها فهذه نعمة إن تأملت فيها ( وإن كانت ) تلك الشدة ( بسبب مخلوق فإنها ) نافعة ( لك ) وضرر ( عليه ) أي على هذا المخلوق ( لا ) نافعة ( له ) أي لذلك المخلوق وضرر ( عليك فاذن ) أي إذ كان الأمر كما ذكر من أن تلك الشدة غير دائمة وأنها من اللّه تعالى وأنها نافعة لك ( يلزم العبد الشكر