تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
وتلك النّعم ما قاله ابن عمر رضى اللّه عنهما : ما ابتليت ببليّة إلّا كان للّه تعالى علىّ فيها أربع نعم : إذ لم تكن في ديني ، وإذ لم تكن أعظم منها ، وإذ لم أحرم الرّضا بها ، وإذ رجوت الثّواب عليها ،
شرح
ويجوز أن تصير بلاء ولكن بالإضافة إليه ، فكذلك ما من بلاء من البلايا التي تصيب العبد إلا ويجوز أن يصير نعمة ولكن بالإضافة إلى حاله ، فرب عبد تكون الخيرة له في الفقر والمرض ولو صح بدنه وكثر ماله لبطر وبغى وتجاوز الحدود . قال اللّه تعالى« وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ »وقال تعالى« إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى »فجعل الطغيان ثمرة الاستغناء

[ ما قاله عبد اللّه بن عمر في النعم المقترنة بالشدة ]

( وتلك النعم ) المقترنة بالشدة ( ما قاله ) عبد اللّه ( بن عمر رضى اللّه عنهما ) وفي الإحياء قال عمر بن الخطاب ، ويحتمل أن ابنه روى عن أبيه ( ما ابتليت ببلية إلا كان للّه تعالى على فيها ) أي في تلك البلية ( أربع نعم ) أولها ( إذ لم تكن ) تلك البلية ( في ديني . و ) الثانية ( إذ لم تكن أعظم منها . و ) الثالثة ( إذ لم أحرم الرضى بها . و ) الرابعة ( إذ رجوت الثواب عليها ) وقيل كان لبعض أرباب القلوب صديق فحبسه السلطان فأرسل إليه يعلمه ويشكو إليه ، فقال له البعض أي كتب إليه : أشكر اللّه تعالى ، فضربه السلطان فكتب إليه يخبره فقال اشكر اللّه تعالى فجىء إليه في الحبس بمجوسي فحبس عنده وكان المجوسي مبطونا وجعل حلقة من قيده في رجله وحلقة في رجل المجوسي فأرسل الصديق إليه يخبره بخبره ، فقال اشكر اللّه تعالى فكان المجوسي يحتاج إلى أن يقوم بسبب بطنه لبيت الخلاء مرات عديدة بالليل وهو أي هذا الصديق يحتاج أن يقوم معه ويقف على رأسه حتى يقضى حاجته ثم يرجعا مكانهما ، فكتب إليه بذلك فقال اشكر اللّه تعالى ، فقال إلى متى تقول هذا ؟ يعنى قولك اشكر اللّه وأي بلاء أعظم من هذا البلاء ؟ فقال : لو جعل الزنار وهو علامة الشرك الذي في وسطه على وسطك كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ما ذا كنت تصنع ؟ نبههه بذلك على أنه ما من بلاء إلا وفوقه ما هو أعظم منه من بلايا الدين والدنيا وعلى أن كل ذلك بقضائه وقدره وقد سلمك اللّه من بلاء الشرك فاشكر اللّه تعالى على ذلك . أورده القشيري في الرسالة ونقله الزبيدي . وفي القوت وكذلك إذا رأيت مبتلى في دينه بصفات المنافقين أو مبتلي في نفسه بأخلاق المتكبرين أو منهمكا فيما عليه من أفعال الفاسقين عددت جميع ذلك نعما عليك من اللّه تعالى إذ لم يجعلك كذلك لأنك قد كنت أنت ذاك لولا فضل اللّه عليك ورحمته ، فتحسب كل ما وجه إليك من الشر أو صرف عنك من الخير نعما عليك بمثل ما وجه به من الخير إليك وصرف من الشر عنك لأن النفوس كنفس واحدة في الأمر بالسوء والمشيئة والقدرة واحدة فقد رحمك بما صرف من السوء عنك فذلك من نعم اللّه عليك ، ولذلك قال مصنفنا الغزالي وغيره : ما من إنسان قد أصيب ببلاء إلا ولو تأمل حق التأمل في سوء أدبه ظاهرا وباطنا في حق مولاه لكان يرى أنه يستحق أكثر مما أصيب به عاجلا وآجلا