سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 470
ولكن التّحصيل أنّ الشّكر من العبد تعظيم يمنع من جفاء من أحسن إليه ، وذلك بتذكّر إحسانه وحسن حال الشّاكر في شكر وقبح حال الكافر في كفرانه . قلت : إنّ أقلّ ما يستوجبه المنعم بنعمته أن لا يتوصّل بها إلى معصية ، وما أقبح حال من جعل نعمة المنعم سلاحا على عصيانه ، فعلى العبد إذن من فرض الشّكر في حقيقته أن يكون له من تعظيم اللّه سبحانه ما يحول بينه وبين معاصيه [ الأصل الثالث : العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم ] الأصل الثالث : العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم ، وهذا العمل يتعلق بالقلب وباللسان وبالجوارح . أما بالقلب فقصد الخير والصلاح وإضماره لكافة الخلق . وأما باللسان فاظهار الشكر للّه تعالى بالتحميدات الدالة عليه بأي صيغة كانت . وأما بالجوارح فاستعمال نعم اللّه تعالى في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته حتى إن شكر العينين أن تستر كل عيب تراه لمسلم وشكر الأذنين أن تستر كل عيب تسمعه فيه ، فيدخل هذا في جملة شكر نعم اللّه تعالى بهذه الأعضاء والشكر باللسان لإظهار الرضى عن اللّه تعالى وهو مأمور به . فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم لرجل « كيف أصبحت ؟ قال بخير فأعاد صلّى اللّه عليه وسلّم السؤال حتى قال الرجل في المرة الثالثة بخير أحمد اللّه وأشكره ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الذي أردت منك » يعنى إظهار الحمد والشكر والثناء . وكان السلف يتساءلون إذا التقوا عن أحوالهم ونيتهم استخراج الشكر للّه تعالي ليكون الشاكر مطيعا بشكره والمستنطق له به مطيعا باستخراجه إياه منه فيكون شركه في ذلك لأنه سبب ذكره تعالى وما كان قصدهم الرياء بإظهار الشوق . وكل عبد سئل عن حاله فهو بين أن يشكر اللّه أو يشكو أو يسكت فالشكر طاعة والشكوى معصية قبيحة من أهل الدين فالأحرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء وأفضى به ضعف اليقين إلى الشكوى أن تكون شكواه إلى اللّه تعالى فهو المبلى والقادر على إزالة البلاء . ولذا قال يعقوب عليه السّلام « إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ » . وذل العبد لمولاه عز والشكوى إلى غيره ذل وإظهار الذل للعبد مع كونه عبدا مثله ذل قبيح انتهى ما اختصرناه من التفاصيل فاعلم ذلك فإنه مهم ( ولكن التحصيل أن الشكر من العبد ) هو ( تعظيم يمنع من جفاء من أحسن ) أي المنعم ( إليه وذلك ) أي التعظيم المذكور ( بتذكر إحسانه ) أي المنعم ( و ) تذكر ( حسن حال الشاكر في شكره وقبح حال الكافر في كفرانه ) أي جحده لنعمة المنعم وإحسانه ( قلت : إن أقل ما يستوجبه المنعم بنعمته أن لا يتوصل بها ) أي بتلك النعمة ( إلى معصية وما أقبح ) فعل تعجب ( حال من جعل نعمة المنعم سلاحا على عصيانه ) أي المنعم ( فعلى العبد إذن ) أي حين إذ كان أقل ما يستوجبه المنعم بنعمته عدم التوصل بتلك النعمة إلى معصيته ( من فرض الشكر في حقيقته ) أي الشكر ( أن يكون له ) أي للعبد ( من تعظيم اللّه سبحانه ما يحول ) أي ما يحجز ويمنع ( بينه ) أي بين العبد ( وبين معاصيه ) تعالى