تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
شرح
الموجود وجه اللّه فقط . ولكل شئ وجهان : وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه ، فهو باعتبار وجه نفسه عدم وباعتبار وجه اللّه موجود فإذن لا موجود إلا اللّه ووجهه فإذا كل شئ هالك إلا وجهه وبيان ذلك أن الأشياء تنقسم إلى ما لا يقوم بنفسه ويفتقر إلى محل كالأعراض والأوصاف فيقال فيهما إنها ليست قائمة بأنفسها وإلى ما لا يحتاج إلى محل فيقال قائم بنفسه كالجوهر إلا أن الجوهر وإن استغنى عن محل يقوم به فليس مستغنيا عن أمور لا بد منها لوجوده ويكون شرطا في وجوده فلا يكون قائما بنفسه لأنه محتاج في قوامه إلى وجود غيره وإن لم يحتج مع ذلك إلى محل ، فإن كان موجودا يكفى ذاته بذاته ولا قوام له بغيره ، ولا يشترط في وجوده وجود غيره فهو القائم بنفسه مطلقا فان مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور للأشياء وجود ولا دوام وجود إلا به فهو القيوم لأنه قوامه بذاته وقوام كل شئ به ولا قيوم إلا واحد ، ولا يتصور أن يكون غير ذلك فاذن ليس في الوجود غير الحي القيوم وهو الواحد الصمد الفرد الأحد جل شأنه . فان نظرت من هذا المقام عرفت أن الكل منه مصدره وإليه مرجعه فهو الشاكر وهو المشكور وهو المحب وهو المحبوب ، فإنك إن نظرت إلى معنى الثناء فثناء كل شئ على فعل غيره واللّه تعالى إذا أثنى على أعمال عباده فقد أثنى على فعل نفسه لأن أعمالهم من خلقه . قال اللّه تعالي« وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ »وإن كان الذي أعطى فأثنى شكورا فالذي أعطى وأثنى على المعطى أحق أن يكون شكورا ، ومن هاهنا نظر حبيب بن أبي حبيب البصري حيث قرأ قوله تعالى« إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ »فقال واعجباه أعطى وأثنى ، وهو إشارة إلى أنه إذا أثنى على إعطائه فعلى نفسه أثنى فهو المثنى وهو المثنى عليه ومن هاهنا نظر الشيخ أبو سعيد الميهنى رحمه اللّه حيث قرىء بين يديه قوله تعالى« يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ »فقال لعمري يحبهم ودعه يحبهم ودعهم يحبونه ، فبحق يحبهم لأنه إنما يحب نفسه أشار به إلى أنه المحب وأنه المحبوب ، وفي تقديم يحبهم إشارة إلى أنه لولا سبق محبته لنا لما أحببناه ، وهذه رتبة عالية لا تفهمها إلا بمثال على حد عقلك فلا يخفى عليك أن الصنف إذا أحب تصنيفه فقد أحب نفسه والصانع إذا أحب صنعته فقد أحب نفسه والوالد إذا أحب ولده من حيث إنه ولده فقد أحب نفسه وكل ما في الوجود سوي اللّه تعالى فهو تصنيف اللّه وصنعته بيد قدرته وبديع حكمته فإن أحبه فما أحب إلا نفسه بهذا الاعتبار فإذن لا يحب إلا نفسه فبحق أحب ما أحب ، وهذا كله نظر بعين التوحيد المحض ، وتعبر الصوفية عن هذه الحالة بفناء النفس أي فنى عن نفسه وعن غير اللّه فلم ير إلا اللّه تعالى ، وذلك عند استيلاء أمر الحق سبحانه عليه فيغلب كون الحق على كونه فيسلب عنه اختياره وإرادته فلا يرى للغير وجود إلا بالحق فهذا أحد النظرين المذكورين . النظر الثاني : نظر من لم يبلغ إلى مقام الفناء عن نفسه . وهؤلاء قسمان : قسم لم يثبتوا إلا وجود أنفسهم وأنكروا أن يكون لهم رب يعبد وهؤلاء هم العميان المنكوسون المحجوبون بمحض الظلمة وعماهم في كلتا العينين لأنهم نفوا ما هو الثابت تحقيقا ، وهو القيوم المطلق الذي هو قائم بنفسه هو
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 465 | السيد احمد بن زيني دحلان