وفيه تفاصيل قد شرحناها في كتاب : [ إحياء علوم الدّين ] وغيره ،
شرح
صفات اللّه تعالى ثم رأى ذلك نقصانا في التوحيد فاقترب فرقى من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة الذات فقال : أعوذ بك منك وهذا فرار منه إليه من غير رؤية فعل وصفة ولكنه رأى نفسه فارّا منه إليه ومستعيذا ومثنيا ففنى عن مشاهدة نفسه إذ رأى ذلك نقصانا واقترب فقال : لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك : أي إني لا أطيق بمحامدك وصفات إلهيتك وإنما أنت المحيط بها وحدك فقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : لا أحصى خبر عن فناء نفسه وخروج عن مشاهدتها ، وقوله :
أنت كما أثنيت على نفسك بيان أنه المثنى والمثني عليه وأن الكل منه بدا وإليه يعود وأن كل شئ هالك إلا وجهه فكان أول مقامه صلّى اللّه عليه وسلّم نهاية مقام الموحدين وهو أن لا يرى في الوجود إلا اللّه وأفعاله فيستعيذ بفعل من فعل فانظر إلى ما انتهت نهايته إذا انتهى إلى الواحد الحق حتى ارتفع من نظره ومشاهدته سوى الذات الحق ، وهذا المقام غاية ما ينتهى إليه من تم له مقام الفناء المطلق ولقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم لا يرقى من رتبة إلى أخرى إلا ويرى الأولى بعدا من اللّه تعالى بالإضافة إلى الثانية فكان يستغفر اللّه من الأولى ويرى ذلك نقصا في سلوكه وتقصيرا في مقامه وهو من باب : حسنات الأبرار سيئات المقربين . وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » فكان ذلك لترقيه إلى سبعين مقاما بعضها فوق البعض أولها وإن كان مجاوزا أقصى غايات الخلق ولكن كان نقصا بالإضافة إلى آخرها فكان استغفاره لذلك . ولما قالت عائشة رضى اللّه عنها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أليس قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فما هذا البكاء في السجود وما هذا الجهد الشديد ؟ فقال أفلا أكون عبدا شكورا » أفلا الفاء للسببية من محذوف : أي أأترك تلك الكلفة نظرا إلى تلك المغفرة فلا أكون عبدا شكورا ؟ لا ، بل ألزمها وإن غفر لي لأكون عبدا شكورا ، فالمعنى أن المغفرة سبب ذلك التكلف شكرا فكيف أتركه بل أفعله لأكون مبالغا في الشكر بحسب الإمكان البشرى ، ومن ثم أتى بلفظ العبودية لأنها أخص أوصافه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولذا ذكرها تعالى في أعلى المقامات وأفضل الأحوال إذ هي مقتضى النسبة المستلزمة للقيام بأعلى الخدمة وهو الشكر ، إذ العبد إذا لاحظ كونه عبدا وأن مالكه مع ذلك أنعم عليه بما لم يكن في حسابه علم تأكد وجوب الشكر والمبالغة فيه عليه ، أو معناه أفلا أكون طالبا للمزيد في المقامات فان الشكر سبب الزيادة حيث قال « لئن شكرتم لأزيدنكم » وقيل تقدير الكلام إذا أنعم على بالإنعام الواسع أفلا أكون عبدا شكورا : أي أيصير هذا الانعام سببا لخروجى عن دائرة المبالغين في الشكر والاستفهام لإنكار سببية مثل هذا الإنعام لعدم كونه عبدا شكورا ولا يخفى تكلفه ، ويصح أن يكون التقدير غفر لي ما تقدم وما تأخر لعلمه بأنى أكون مبالغا في عبادته فأكون عبدا شكورا فلا أكون كذلك وهذا قريب من الأول واللّه أعلم ، ولنرجع إلى خدمة كلام المصنف قال رحمه اللّه تعالى ( وفيه ) أي في الشكور ( تفاصيل قد شرحناها في كتاب ) الصبر والشكر وهو الكتاب الثاني من ربع المنجيات من كتب ( إحياء علوم الدين وغيره ) ولنذكر على طريق الاختصار ما ذكره المصنف في الاحياء من جملة التفاصيل مع زيادة يسيرة من غيره . فنقول اعلم