تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
شرح

[ اعلم أن الشكر ينتظم من حال وعلم وعمل ، الأصل الأول العلم ]

أن الشكر ينتظم من حال وعلم وعمل . فالعلم هو الأصل فيورث الحال والحال يورث العمل . فأما العلم فهو معرفة النعمة من المنعم . والحال الفرح الحاصل بانعامه . والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان ولا بد من بيان جميع ذلك ليحصل بمجموعة الإحاطة بحقيقة الشكر . فان ما قيل في حد الشكر قاصر عن الإحاطة بكمال معانيه . فالأصل الأول العلم : وهو علم بثلاثة أمور بعين النعمة ووجه كونها نعمة في حقه وبذات المنعم ووجود صفاته التي بها يتم الإنعام ويصدر الإنعام منه عليه فإنه لا بد من نعمة ومنعم ومنعم عليه تصل إليه النعمة من المنعم بقصد وإرادة فهذه الأمور لا بد من معرفتها . هذا في حق غير اللّه تعالى فأما في حق اللّه تعالى فلا يتم إلا بأن يعرف أن النعم كلها من اللّه وهو المنعم والوسائط مسخرون من جهته وهذه المعرفة وراء التوحيد والتقديس إذ دخل التقديس والتوحيد فيها بل الرتبة الأولى في معارف الايمان التقديس . وأعنى به تنزيه الرب عن الجسمية وتوابعها ، ثم إذا عرف العبد ذاتا مقدسة فيعرف أنه لا مقدس إلا واحد وما عداه غير مقدس وهو التوحيد وهي الرتبة الثانية ، ثم يعلم أن كل ما في العالم فهو موجود من ذلك الواحد فقط وأنه هو الذي أفاض الوجود عليه فالكل نعمة منه فتقع هذه المعرفة في الرتبة الثالثة من رتب الايمان إذ ينطوى فيها مع التقديس والتوحيد كمال القدرة والانفراد بالفعل . واعلم أن تمام هذه المعرفة ينفى الشرك في الأفعال فمن عرف اللّه تعالى وعرف أفعاله علم أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره كالقلم مثلا في يد الكاتب وأن الحيوانات التي لها اختيار مسخرات في نفس اختيارها فان اللّه تعالى هو المسلط للدواعي عليها لتفعل شاءت أم أبت فكل من وصل إليك نعمة من اللّه تعالى على يده فهو مضطر إذ سلط اللّه عليه الإرادة وهيج عليه الدواعي والبواعث وألقى في نفسه أن خيره في الدنيا والآخرة في أن يعطيك ما أعطاك وأن غرضه المقصود عنده في الحال والمآل لا يحصل إلا به وبعد أن خلق اللّه له هذا الاعتقاد لا يجد سبيلا إلى تركه فهو إذن إنما يعطيك لغرض نفسه لا لغرضك ولو لم يكن غرضه في العطاء لما أعطاك ولو لم يعلم أن منفعته في منفعتك لما نفعك فهو إذن إنما يطلب نفع نفسه بنفعك فليس منعما عليك بل اتخذك وسيلة إلى نعمة أخرى هو يرجوها في نفسه . وإنما الذي أنعم عليك هو الذي سخره لك وألقي في قلبه من الاعتقادات والإرادات ما صار به مضطرا إلى الايصال إليك فان عرفت الأمور كذلك فقد عرفت اللّه تعالى وعرفت فعله وكنت موحدا وقدرت على شكره بل كنت بهذه المعرفة بمجردها شاكرا ولذلك قال موسى عليه السّلام في مناجاته : إلهي خلقت آدم بيدك وفعلت وفعلت فكيف شكرك ؟ فقال اللّه عز وجل : علم أن كل ذلك منى فكانت معرفته شكرا فاذن لا تشكر إلا بأن تعرف أن الكل منه تعالى فان خالجك ريب وشك في هذا لم تكن عارفا لا بالنعمة ولا بالمنعم فلا تفرح بالمنعم وحده بل وبغيره فبنقصان معرفتك ينقص حالك في الفرح وبنقصان فرحك ينقص عملك فهذا بيان هذا الأصل . الأصل الثاني الحال المستمدة من أصل المعرفة وهو الفرح بالمنعم مع هيئة التواضع والخشوع وهو أيضا في نفسه شكر على تجرده : أي بمفرده كما أن المعرفة شكر بمفردها ، وإنما تكون