تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
شرح
وقائم على كل نفس بما كسبت وكل قائم فهو قائم به ، ولم يقتصروا على هذا حتى أثبتوا أنفسهم ولو عرفوا لعلموا أنهم من حيث هم لا ثبات لهم ولا دوام لوجودهم بل ولا وجود لهم وإنما وجودهم من حيث أوجدوا من الوجه الذي يلي الموجود لا من حيث وجدوا . وفرق بين الموجود بنفسه وبين الموجد بايجاد غيره وليس في الوجود إلا موجود واحد وموجد فالموجود حق والموجد باطل من حيث هو هو والموجود قائم وقيوم والموجد هالك وفان ، وإذا كان كل من عليها فان وزائل مضمحل أزلا وأبدا فلا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام . الفريق الثاني : ليس بهم عمى ولكن بهم عور لأنهم يبصرون بإحدى العينين وجود الموجود الحق فلا ينكرونه والعين الأخرى إن تم عماها لم يبصر بها فناء غير الموجود الحق فأثبت موجودا آخر مع اللّه تعالى وهذا مشرك تحقيقا لأنه أشرك مع اللّه موجودا آخر كما أن الذي قبله جاحد تحقيقا لأنه جحد ما هو الحق الثابت فان جلوز حد العمى إلى العمش أدرك تفاوتا بين الموجودين فأثبت عبدا وربا وقسم الموجود إلى واجب وممكن فبهذا القدر من إثبات التفاوت بينهما والبعض من الموجود الآخر دخل في أوائل التوحيد ثم إن كحل بصره بما يزيد في أنواره فيقل عمشه وبقدر ما يزيد في بصره يظهر له نقصان ما أثبته سوى اللّه تعالى فان بقي في سلوكه كذلك فلا يزال يقضى به النقصان إلى المحو فينمحى عن رؤية ما سوى اللّه تعالى فلا يرى في الوجود إلا اللّه تعالى فيكون بذلك قد بلغ كمال التوحيد ، وحيث أدرك نقصا في وجود ما سوى اللّه تعالى دخل في أوائل التوحيد وبينهما درجات لا تحصى فبهذا تتفاوت درجات الموحدين وتختلف مشاربهم وأذواقهم وكتب اللّه المنزلة على رسله هي الكحل الذي تحصل به أنوار الأبصار والأنبياء هم الكحالون وقد جاءوا داعين إلى التوحيد المحض وترجمته قول « لا إله إلا اللّه » الدالة على التوحيد ومعناه في الحقيقة أن لا يرى إلا الواحد الحق «قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» . والواصلون إلى كمال التوحيد هم الأقلون والجاحدون والمشركون أيضا قليلون ، وهم على الطرف الأقصى المقابل لطرف التوحيد إذ عبدة الأوثان قالوا «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» فكانوا داخلين في أوائل أبواب التوحيد دخولا ضعيفا بهذا الخيال القائم في أذهانهم ، والمتوسطون هم الأكثرون ، وفيهم من تنفتح بصيرته في بعض الأحوال والأحيان فتلوح له حقائق التوحيد ولكن كالبرق الخاطف يذهب سريعا ولا يثبت وفيهم من يلوح له ذلك ويثبت زمانا ولكن لا يدوم والدوام عزيز كما قيل :لكل إلى شأو العلا حركات * ولكن عزيز في الرجال ثباتولما أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بطلب القرب فقيل له « واسجد واقترب » قال في سجوده : أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، فقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : أعوذ بعفوك من عقابك كلام عن مشاهدة فعل اللّه فقط فكأنه لم ير إلا اللّه وأفعاله فاستعاذ بفعله من فعله ، وهذا قسم من الفناء المطلق وهو أن يتجلى الحق لعبده بطريق الأفعال ويسلب عنه اختياره وإرادته فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلا إلا بالحق ، ثم اقترب صلّى اللّه عليه وسلّم ففنى عن مشاهدة الأفعال وترقى إلى مصادر الأفعال وهي الصفات فقال : أعوذ برضاك من سخطك ، وهما : أي الرضا والسخط صفتان من