تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
شرح
في الشكر ينتفع به ، فإنا نشكر الملوك إما بالثناء ليزيد محلهم في القلوب ويظهر كرمهم عند الناس فيزيد به صيتهم وجاههم ، أو بالخدمة التي هي إعانة لهم على بعض أغراضهم أو غير ذلك ، وهذا محال في حق اللّه تعالى من وجهين : أحدهما : أنه منزه عن الحظوظ والأغراض مقدس عن الحاجة إلى الخدمة والإعانة وغير ذلك فشكرنا إياه بما لاحظ له فيه يضاهى شكرنا الملك المنعم علينا بأن ننام في بيوتنا أو نسجد أو نركع إذ لاحظ للملك فيه ولاحظ للّه تعالى في أعمالنا كلها لغناه عنها . الوجه الثاني : أن كل ما نتعاطاه باختيارنا نعمة أخرى من نعم اللّه علينا إذ جوارحنا وقدرتنا وإرادتنا وداعيتنا وسائر الأمور التي هي أسباب حركتنا ونفس حركتنا من خلق اللّه تعالى ونعمته فكيف نشكر نعمة بنعمة ، ولو أعطانا الملك مركوبا فأخذنا مركوبا آخر له وركبناه وأعطانا مركوبا آخر لم يكن الثاني شكرا للأول منا بل كان الثاني يحتاج إلى شكر كما يحتاج الأول . ثم لا يمكن شكر الشكر إلا بنعمة أخرى فيؤدى إلى أن يكون الشكر محالا في حق اللّه تعالى من هذين الوجهين ، ولسنا نشك في الأمرين جميعا والشرع قد ورد به فإنه قد ثبت كل من تقديس اللّه تعالى عن الحظوظ والأغراض وتنزيهه عن الاحتياج إلى الإعانة وغيرها فكيف السبيل إلى الجمع ؟ فاعلم أن هذا الخاطر قد خطر لداود عليه السّلام وكذلك لموسى عليه السّلام فقال : يا رب كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك ، وفي لفظ آخر : وشكري لك نعمة أخرى منك توجب على الشكر لك . فأوحى اللّه تعالى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتنى وفي لفظ آخر : إذا عرفت أن النعم منى فقد رضيت منك بذلك شكرا . فإذا قلت فقد فهمت سؤال موسى عليه السّلام وفهمي قاصر عن إدراك معنى ما أوحي إليهم جوابا لسؤالهم فإني أعلم استحالة الشكر للّه تعالى ، فأما كون العلم باستحالة الشكر شكرا فلا أفهمه فان هذا العلم أيضا نعمة منه فكيف صار شكرا ، وكأن الحاصل يرجع إلى أن من لم يشكر فقد شكر وهو غير ظاهر وأن قبول الخلعة الثانية من الملك شكر للخلعة الأولى ، والفهم قاصر عن درك السر فيه لدقته وغموضه فان أمكن تعريف ذلك بمثال فهو مهم في نفسه فاعلم أن هذا قرع باب من أبواب المعارف الذوقية وهي أعلى من علوم المعاملة لتعلقها بعالم الغيب ولا يليق كشف أسرارها ، ولكنا نشير إلى ملامح وإشارات . ونقول ههنا نظران : نظر بعين التوحيد المحض ، وهذا النظر يعرفك قطعا أنه سبحانه الشاكر وأنه المشكور وأنه المحب وأنه المحبوب كما يشير لذلك قوله تعالى« يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » .وهذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره وأن كل شئ هالك إلا وجهه وأن ذلك صدق في كل حال أزلا وأبدا لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات ، بل هو هالك أزلا وأبدا لا يتصور إلا كذلك لأن الغير هو الذي يتصور أن يكون له بنفسه قوام ، ومثل هذا الغير إن اعتبر في ذاته من حيث ذاته فلا وجود له بل هو عدم محض ومحال أن يوجد . وإذا اعتبر من الوجه الذي يسرى إليه الوجود من الأول رؤى موجودا لا في ذاته . لكن من الوجه الذي يلي موجوده فيكون