( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها )
وإنّ دوام هذه النّعم كلّها بعد أن منّ عليك بها ، والزّيادة عليها من كلّ باب منها ممّا لا يحصيه ولا يبلغه وهمك ، وكلّها تتعلّق بشئ واحد ، وهو الشّكر والحمد للّه ، وإنّ خصلة تكون لها هذه القيمة ، وتكون فيها كلّ هذه الفائدة ، لحقيق بأن يتمسّك بها من غير إغفال يحال فإنّه جوهر ثمين وكيمياء عزيزة ، واللّه ولى التّوفيق
شرح
وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها ) قال النسفي : لا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها . هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال ، وأما التفصيل فلا يعلمه إلا اللّه ، ولما انكشف لموسى عليه السّلام حقيقة قوله تعالى« وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها »قال : إلهي كيف أشكرك ولك في كل شعرة من جسدي نعمتان أن لينت أصلها وأن طمست رأسها ، وكذا ورد في الأثر : إن من لم يعرف نعم اللّه عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه . نقله صاحب القوت وهو في الحلية من قول أبى الدرداء كما ذكره الزبيدي . قال صاحب القوت : ويقال إن في باطن الجسم من النعم سبعة أضعاف النعم التي في ظاهره ، وأن في القلب من النعم أضعاف ما في الجسم كله من النعم ، وإن نعم الإيمان باللّه والعلم واليقين أضعاف نعم الأجسام والقلوب ، فهذه كلها نعم مضاعفة على نعم مترادفة لا يحصيها إلا من أنعم بها ولا يعلمها إلا من خلقها «أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» سوى نعم المطعم والمشرب والملبس والمنكح من دخول ذلك وخروجه وكثرة تكرره وتزايده بأن أدخل مهناه وأخرج أذاه وبقي في الجسم قواه ، وبأن طيب مدخله ويسر مخرجه وبقي منفعته ، وما أحال من صورته وغير من صفته للتزهيد والذم والاعتبار والتذكرة وتلك أيضا نعم .
( و ) اعلم ( أن دوام هذه النعم كلها بعد أن من ) اللّه تعالى ( عليك بها ) أي النعم ( و ) أن ( الزيادة عليها من كل باب منها ) أي من تلك النعم ( مما لا يحصيه ولا يبلغه وهمك وكلها ) أي النعم ( تتعلق بشئ واحد وهو الشكر والحمد للّه ، وأن خصلة ) وهو الشكر والحمد ( تكون لها ) لتلك الخصلة ( هذه القيمة وتكون فيها ) أي في الخصلة ( كل هذه الفائدة لحقيق ) وجدير ( بأن يتمسك بها ) أي بتلك الخصلة ( من غير إغفال بحال ) من الأحوال ( فإنه ) أي ما ذكر من الخصلة ( جوهر ثمين ) أي رفيع الثمن ( وكمياء ) أي ذهب أو فضة ( عزيزة ) قال بعضهم : الكيمياء بكسر الكاف وسكون الياء وكسر الميم وبعدها ياء : هي الذهب أو الفضة الناشئ من وضع أجزاء معلومة عندهم على شئ من المعادن كنحاس أو رصاص أو قزدير لينقلب ذهبا أو فضة ، وشبهت تلك الخصلة بالكيمياء بجامع الرغبة في كل وصح تشبيهها بالكيمياء وإن كانت أعظم من الكيمياء من حيث أن الكيمياء أمر محسوس فتكون الكيمياء أقوى بهذا الاعتبار ( واللّه ولى التوفيق