شرح
لا يستغنى الإنسان عنه في كل حال التوفيق ولذلك قيل :إذا لم يكن عون من اللّه للفتى * فأكثر ما يجنى عليه اجتهادهوأما الهداية : فلا سبيل لأحد إلى طلب السعادة إلا بها ويجب على كل إنسان أن يعلم ذلك لأن داعية الإنسان قد تكون مائلة إلى ما فيه صلاح آخرته ولكن إذا لم يعلم ما فيه صلاح آخرته حتى يظن الفساد صلاحا فمن أين ينفعه مجرد الإرادة فلا فائدة في الإرادة والقدرة والأسباب إلا بعد الهداية فهي مبدأ الخيرات ومنتهاها كما قال تعالى« رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى »وقال تعالى« وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ »وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللّه : أي بهدايته ، فقيل ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال ولا أنا » وللهداية ثلاث منازل : الأولى معرفة طريق الخير والشر المشار إليهما بقوله تعالى« وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ »هذا هو المشهور في التفسير ، وقيل طريق الثواب والعقاب وقد أنعم اللّه تعالى به على كافة عباده المكلفين بعضه بالعقل والفطنة والمعارف الضرورية وبعضه على لسان الرسل ، ولذلك قال تعالي« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى »فأسباب الهدى هي الكتب والرسل وبصائر العقول التي هي مبدأ الهداية وهي مبذولة ولا يمنع منها إلا الحسد والكبر وحب الدنيا ، والأسباب التي تعمى القلوب وإن كانت لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، ومن جملة المعميات الإلف والعادة بالشئ وحب استصحابهما وعنه العبارة بقوله تعالى« إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ »وكذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « حبك للشئ يعمى ويصم » وعن الكبر والحسد العبارة بقوله تعالى« وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ »وقوله تعالى« أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ »فكل ذلك منشؤه التكبر على المؤمنين والتحاسد على ما أعطاهم اللّه تعالى فهذه المعميات هي التي منعت الاهتداء وأشدها حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة . والهداية الثانية وراء هذه الهداية العامة التي هي الأولى وهي التي يمد اللّه بها العبد حالا بعد حال بحسب استزادته من العلم والعمل الصالح وهي ثمرة المجاهدة . قال تعالى« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »وهو المراد بقوله تعالى« وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ »وقوله تعالى« وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ » ،والهداية الثالثة وراء الثانية وهو النور الذي يشرق في عالم النبوة والولاية بعد كمال المجاهدة فيهتدى بها إلى ما لا يهتدى إليه بالعقل الذي يحصل به التكليف وإمكان تعلم العلوم به وهو الهدى المطلق وما عداه حجاب له ومقدمات والذي شرفه اللّه تعالى بتخصيص الإضافة إليه وإن كان الكل من جهته تعالى فقال تعالى« قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى » *وهو المسمى حياة في قوله تعالى« أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ »والمعنى بقوله تعالى« أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ » .