تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
وتفضيل ذلك لا يحصيه إلّا السّيّد العالم الّذى أنعم عليك كما قال جلّ وعلا :
شرح
كما قال تعالى« وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ » ،فالرشد عبارة عن هداية باعثه إلى جهة السعادة محركة إليها ، فالصبى إذا بلغ خبيرا بحفظ المال وطرق التجارة والاستنماء ولكنه مع ذلك يبذر فيه تبذيرا ولا يريد الاستنماء لا يسمى رشيدا ، لا لعدم هدايته بل لقصور هدايته عن تحريك داعيته فكم من شخص يقدم على ما يعلم أنه يضره فقد أعطى الهداية وميز بها عن الجاهل الذي لا يدرى أنه يضره ولكن ما أعطى الرشد فالرشد أكمل من مجرد الهداية إلى وجوه الأعمال وهي نعمة عظيمة من النعم التوفيقية .

[ الكلام في التسديد والتأييد ]

وأما التسديد : فهو توجيه حركات العبد إلى صوب الغرض المطلوب وتيسيرها عليه بأن تقوم إرادته وحركته نحوه ليشتد في صوب الصواب ويهجم عليه في أسرع وقت يمكن الوصول اليه فيه وهو المراد بقوله تعالى« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »في أحد الوجوه قال الهداية بمجردها لا تكفى بل لا بد من هداية محركة للداعية وهي الرشد ، والرشد لا يكفى بل لا بد من تيسير الحركات بمساعدة الأعضاء والآلات حتى يتم المراد مما انبعثت الداعية إليه ، فالهداية محض التعريف والدلالة بلطف ، والرشد هو تنبيه الداعية لتستيقظ وتتحرك ، والتسديد إعانة ونصرة بتحريك الأعضاء في صوب السداد والنصرة من اللّه تعالى معونة للأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدى إلى صلاحهم عاجلا وآجلا ، وذلك تارة يكون من خارج بمن يقيضه اللّه تعالى فيعينه ، وتارة من داخل بأن يقوى قلوب الأولياء أو يلقى رعبا في قلوب الأعداء ، وعلى ذلك قوله تعالى« إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »الآية وقوله تعالى« وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ » .وأما التأييد فكأنه جامع للكل وهو عبارة عن تقوية أمره بالبصيرة من داخل وتقوية البطش ومساعدة الأسباب من خارج ، وهو المراد بقوله عز وجل« إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ »وتقرب منه العصمة وهي عبارة عن جود إلهي يسنح في الباطن : أي يعرض فيه يقوى به الإنسان على تحرى الخير وتجنب الشر حتى يصير كمانع له من باطنه غير محسوس ، وإياه عنى بقوله تعالى« وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ »وقد روى أن يوسف عليه السّلام رأى صورة يعقوب عليه السّلام وهو عاض على إبهاميه فأحجم ، وليس ذلك بمانع ينافي التكليف كما توهمه بعض المتكلمين فان ذلك كان تصورا منه وتذكرا لما كان قد حذره منه ، وعلى هذا قال« لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ »الآية . ومن عصمته تعالى أن يكرر الوعيد على من يريد عصمته لئلا يغفل ساعة عن مراعاة نفسه ، كقوله تعالى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين » فهذه المذكورة هي مجامع النعم ( وتفصيل ذلك ) أي المذكور من النعم سواء كانت دنيوية أو دينية ( لا يحصيه ) أي التفصيل ( إلا السيد العالم ) جل جلاله ( الذي أنعم عليك كما قال جل وعلا