شرح
هل هو من النعم أم لا ؟ . فأقول نعم ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الأئمة من قريش » ولذلك كان صلّى اللّه عليه وسلّم من أكرم الناس أرومة في نسب آدم عليه السّلام :
الأرومة بالضم الأصل . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « تخيروا لنطفكم الأكفاء » وقال صلّى اللّه عليه وسلم « إياكم وخضراء الدمن ، فقيل وما خضراء الدمن ؟ قال المرأة الحسناء في المنبت السوء » فهذا أيضا من النعم ولست أعنى به الانتساب إلى الظلمة وأرباب الدنيا بل الانتساب إلى شجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى أئمة العلماء وإلى الصالحين والأبرار المتوسمين بالعلم والعمل ومن الناس من لا يعد شرف الأصل فضيلة ، وقال يعد المرء بنفسه لا بأبيه ، واستدل بقول على رضى اللّه عنه : الناس أبناء ما يحسنون ، وقيمة كل امرئ ما يحسنه .
وقول الشاعر :كن ابن من شئت واكتسب أدبا * يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا * ليس الفتى من يقول كان أبيوقول الآخر :بجد كل جد لا بمجد * وهل جد بلا جد بمجدوقول الحكيم : الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية وليس كما ظن لأن كرم الأعمام والأخوال مخيلة لكرم المرء ومظنة له ، والفرع وإن كان قد يفسد أحيانا فمعلوم أن أصله قد يورثه الفضيلة والرذيلة وأنه لا يكون من النخل الحنظل ولا من الحنظل النخل ، ولذلك قال الشاعر :وما يك من خير أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل *
وهل ينبت الخطى إلا وشيجة * وتغرس إلا في منابتها النخلوقيل :إن السرى إذا سرى فبنفسه * وابن السرى إذا سرى إسراهماوما ذكر من نحو قول على رضى اللّه عنه : الناس أبناء ما يحسنون وقيمة كل امرئ ما يحسنه فحث للناس على اقتباس العلم ونهي عن الاقتصار على مآثر الآباء ، فإن المآثر الموروثة قليلة الغناء ما لم يضامها فضيلة النفس لأن ذلك إنما يحمد لكي يوجد الفرع مثله ، ومتى اختلف الفرع وتخلف فإنه يخبر بأحد شيئين : إما بتكذيب من يدعى الشرف لعنصره أو بتكذيبه في انتسابه إلى ذلك العنصر وما فيهما حظ لمختار ، فالمحمود أن يكون الأصل في الفضل راسخا والفرع به شامخا كما قال الشاعر :زانوا قديمهم بحسن حديثهم * وكريم أخلاق وحسن خصالومن لم يجتمع له الأمران فلأن يكون المرء شريف النفس دنىء الأصل أولى من أن يكون دنىء النفس شريف الأصل . قال الشاعر :فما الشرف الموروث لا دردره * بمحتسب إلا بآخر مكتسب
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة * من المثمرات اعتده الناس في الحطب