تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
إذ هو الشّجرة ، وسائر الأعضاء أغصان ، ومن الشّجرة تشرب الأغصان وتصلح وتفسد ، وإنّه الملك ، وسائر الأعضاء تبع وأركان ، وإذا صلح الملك صلحت الرّعيّة ، وإذا فسد فسدت الرّعيّة ، فإذن صلاح العين واللّسان والبطن وغيره دليل على
شرح
الصوفية إلا أن هؤلاء محفوظون لا معصومون على ما اصطلحوا عليه من الفرق بين الحفظ والعصمة ، والفرق بينهما هو ما قاله القشيري : أن المعصوم لا يلم بذنب البتة ، والمحفوظ قد تحصل منه همات وقد يكون له في الندرة زلات ، ولكن لا يكون له إصرار ، أولئك الذين يتوبون إلى اللّه من قريب ، وقد وصف اللّه تعالى عباده ذوى التخصيص أولى التطهير والتمحيص في آيات كريمة بصفات جليلة عظيمة ، وأعدلهم على ذلك خيرات جسيمة ، فقال تعالى« وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً »إلى قوله« خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً » .وعليك النظر فيما قاله فيها أهل التفسير ، وما استنبطه منها أرباب الإشارات والتذكير . وأما من عدا هؤلاء فهم عبيد نفوسهم الشهوانية ومسترقو حظوظهم الدنيوية ، قال اللّه تعالى« أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » .وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما روى عنه « تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم » الحديث ، وهؤلاء هم من عبيد العدد المعنيين بقوله عز وجل« إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ». واعلم أنه لا يتهيأ هذا السلوك إلى حضرة ملك الملوك إلا لمن وفقه اللّه تعالى لمعرفة نفسه وما ركبت عليه من مذام الصفات ، ومن عرف ذلك من نفسه لا يزال متهما لها مسيئا ظنه بها آخذا حذره منها ، وإلا وقع في المعاصي والذنوب من حيث لا يشعر ، وقد شبه المصنف رحمه اللّه ذلك القلب بالشجرة والأعضاء بالأغصان فقال ( إذ هو ) أي القلب ( الشجرة ) أي بمنزلتها ( وسائر الأعضاء أغصان ) أي بمنزلة ذلك ( ومن الشجرة تشرب الأغصان وتصلح ) أي تلك الأغصان إن كان أصلها طيبا ( وتفسد ) إن كان أصلها خبيثا ( وأنه ) أي القلب ( الملك وسائر الأعضاء تبع ) جمع تابع كخدم وخادم ( وأركان ) أي جنود ، وقد خلقت مجبولة على طاعته لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا وعصيانا فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت ، وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم ، كل ذلك بسرعة وكذا سائر الأعضاء وتستخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة للّه تعالى فإنهم مجبولون على الطاعة لا يستطيعون له خلافا بل «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» وإنما يفترقان في شئ وهو أن الملائكة عليهم السّلام عالمة بطاعتها وامتثالها ، والأجفان تطيع القلب في الانفتاح والانطباق على سبيل التسخير ولا خبر لها من نفسها ومن طاعتها للقلب ( وإذا صلح الملك صلحت الرعية وإذا فسد ) أي الملك ( فسدت الرعية ، فإذن ) أي إذا عرفت أن القلب أصل الكل ( صلاح العين واللسان والبطن وغيره ) أي المذكور من الثلاثة ، وذلك الغير كاليد والرجل والأذن ( دليل على