وعن سهل رحمه اللّه أنّه قال : جماع الخير كلّه في هذه الخصال الأربع وبها صارت الأبدال أبدالا : إخماص البطون والصّمت والاعتزال عن الخلق وسهر اللّيل .
وقال بعض العارفين : الجوع رأس مالنا ، ومعناه أنّ ما يحصل لنا من فراغ وسلامة وعبادة وحلاوة وعلم وعمل نافع بسبب الجوع والصّبر عليه للّه سبحانه .
شرح
اللّه تعالى ، ومثل ما ذكر من فضول الكلام الغيبة بل هي الصاعقة المهلكة للطاعات كما تقدم في حفظ اللسان ، ومعلوم أن الإكثار منها قد يؤدى العبد إلي الخروج عن دينه . روى ابن أبي الدنيا عن محمد بن أبي حاتم الأزدي ، حدثنا داود بن المحبر ، حدثنا الربيع بن صبيح قال : سمعت الحسن يقول « واللّه للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في الجسد » . وروى ابن أبي الدنيا أيضا عن نصر بن طرخان ، حدثنا عمران بن خالد الخزاعي قال : كان الحسن يقول : يا ابن آدم إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك ؛ فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك ؛ وأحب العباد إلى اللّه من كان هكذا . وقال بكر بن عبد اللّه المزنى « إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به » رواه ابن أبي الدنيا ، وقد تقدم حد الغيبة في حفظ اللسان ( وعن سهل ) بن عبد اللّه التستري ( رحمه اللّه ) أحد أئمة القوم لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع ، وكان صاحب كرامات توفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين ، وقيل ثلاث وسبعين ومائتين ( أنه قال : جماع الخير كله ) أي الخير ، في [ محيط المحيط ] : جماع الشئ جمعه والخمر جماع الاثم ، لأن الجماع ما جمع عددا انتهى ، وأيضا فيه الجماع فعال من الجمع وهو من صيغ المبالغة ؛ والجماع كل ما تجمع وانضم بعضه إلى بعض ومن كل شئ مجتمع أصله ؛ وجماع الناس أخلاطهم من قبائل شتى ( في هذه الخصال الأربع وبها صارت الأبدال أبدالا ) وتقدم بيانهم : أحدها ( إخماص البطون ) أي تجويعها وإخلاؤها من الطعام ، في [ محيط المحيط ] : خمص البطن خمصا وخموصا ومخمصة أيضا : خلا من الطعام : أي جاع وضمر وهو من باب نصر وكرم ( و ) ثانيها ( الصمت ) أي السكوت عن كل ما لا نفع فيه ( و ) ثالثها ( الاعتزال ) أي الانفراد والخلوة ( عن الخلق و ) رابعها ( سهر الليل ) في [ محيط المحيط ] : سهر الرجل البارحة يسهر سهرا : لم ينم ليلا وسهر أيضا ضد نام ( وقال بعض العارفين : الجوع رأس مالنا ) أي أصله . قال المصنف ( ومعناه ) أي معنى قول بعض العارفين ( أن ما يحصل لنا من فراغ وسلامة وعبادة وحلاوة ) أي في العبادة ( وعلم وعمل نافع بسبب الجوع والصبر عليه ) أي على الجوع ( للّه سبحانه ) وتعالى ، ولذلك قال سهل بن عبد اللّه : رأس كل بر نزل من السماء إلى الأرض الجوع . ورأس كل فجور بينهما الشبع . وقال أيضا : من جوع نفسه انقطعت عنه الوساوس . وقال أيضا إقبال اللّه على العبد بالجوع والسقم والبلاء نعمة من اللّه تعالى عليه ، إذ لولا أنه اختاره لما يلاه . وقال أيضا : اعلموا أن هذا زمان لا ينال أحد فيه النجاة إلا بذبح نفسه الأمارة بالسوء وقتلها