شرح
خلع ، وشأن الصوفي إنما هو النظر فيما يطهرها ويزكيها من أنواع الرياضات والمجاهدات . وقد بينوا طرق ذلك في كتبهم . قال أبو طالب المكي : لا يكون المريد بدلا حتى يبدل بمعانى صفات الربوبية صفات العبودية ، وأخلاق الشياطين بأوصاف المؤمنين ، وطبائع البهائم بأوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم ، فعند ذلك يكون بدلا مقربا .
قال : والطريق إلى هذا بأن يملك نفسه فيملكها تسخر له ويسلط عليها ، فان أردت أن تملك نفسك فلا تملكها وضيق عليها ولا توسع لها ، فان ملكتها ملكتك ، وإن لم تضيق عليها اتسعت عليك ، وإذا أردت الظفر بها فلا تعرضها لهواها واحبسها عن معتاد ملائمها ، فإن لم تمسكها انطلقت بك ، وإن أردت أن تقوى عليها فأضعفها بقطع أسبابها وحبس موادها ، وإلا قويت عليك فصرعتك انتهى .
فإذا قام العبد بذلك على الوجه الذي رسموه له ، والتزم الوظائف التي أمروه بها طهر قلبه وتزكت نفسه ، واتصفت بمحاسن الصفات التي تزينه بين العباد ، وينال بها من قرب ربه غاية المراد ، فيظهر حينئذ عليه آثار حميدة من التواضع للّه والخشوع بين يديه والتعظيم لأمره والحفظ لحدوده والهيبة له والخوف منه والتذلل لربوبيته والإخلاص في عبوديته والرضا بقضائه ورؤية المنة له عليه في منعه وإعطائه ، ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة واللين والرفق وسعة الصدر والحلم والاحتمال والصيانة والنزاهة والأمانة والثقة والعطف والتأنى والوقار والسخاء والجود والحياء والبشاشة والنصيحة وسلامة الصدر إلى غير ذلك من أخلاق الإيمان التي ينال بها العبد غاية السعادة والحسنى والزيادة . قال العلامة الرندى : وهذان المعنيان هما اللذان يعبر عنهما أئمة الصوفية رضى اللّه عنهم بالتحلى والتخلي : أي التخلي عن الصفات المذمومة والتحلي بالصفات المحمودة ، ويعبرون عنهما أيضا بالتزكية والتحلية ، وهما حقيقة السلوك الذي يعبرون عنه أيضا ، فإذا صح للعبد هذا السفر وانقلب منه إلى أفضل مستقر ، تحققت عبوديته لربه عز وجل ، فلم يملكه غيره ولم يسترقه سواه ، وارتقى في القرب من ربه إلى أشرف محل ، فيكون هناك منزله ومثواه .
فيكون لنداء الحق مجيبا ، لأنه إذ ذاك مناديه باسم العبد ، فيقول له يا عبدي فيجيب حينئذ مولاه باسم الرب ، فيقول له : لبيك يا رب ، فيكون صادقا في إجابته متحققا في نسبته ، فيكون أيضا من حضرته قريبا لوجود بعده عن نفسه التي من شأنها النفور عنها والفرار منها ، فإذا أقامه الحق تعالى مقام العبودية ، وحاز مرتبة القرب من حضرة الربوبية كان محفوظا من اقتحام الأوزار ميسرا عليه أعمال الأخيار ، متحليا في الظاهر والباطن بأشرف الحلى ، محتظيا بفضيلة التشبه بالملأ الأعلى . قال اللّه عز وجل« وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ »وقد قال اللّه تعالى« إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ »وقال عز من قائل« لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »فمرتبة العبودية أنالتهم هذه الخصوصية ، وكذلك من تشبه بهم في محاسن صفاتهم من الصفوة