سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 44
وأمّا القلب فحسبك أنّه أصل الكلّ ، إن أفسدته فسد الكلّ ، وإن أصلحته صلح الكلّ ، بالجوع والسهر والجهد في طاعات اللّه تعالى . وقال أبو طالب المكي : مثل البطن مثل المزهر ، وهو العود المجوف ذو الأوتار إنما حسن صوته لخفنه ورقته ، ولأنه أجوف غير ممتلئ ، ولو كان ثقيلا جاثيا ممتلئا لم يكن له صوت وكذلك الجوف إذا خلا عن الطعام والشرب كان أرق للقلب وأعذب للتلاوة وأدوم للقيام وأقل للمنام . وروى أن موسى عليه السّلام « لما قربه اللّه نجيا كان قد ترك الأكل أربعين يوما » وفي القوت روينا عن أبي سعيد الخراز قال : قال جماعة من الحكماء إن اللّه تعالى لا يكلم أحدا وفي بطنه شئ من الدنيا ، فهذا يدل على أمره لموسى عليه السّلام بترك الأكل ليلقاه خاليا من الدنيا وبنفس ساكنة عن المنازعة إلى شئ من الملك وروح روحانية قد أحياها الحي بحياته ، فعند ذلك صلح هذا الشخص لمخاطبته قبلا بلا ترجمان . وروى عن مكحول قال : ثلاث خصال يحبها اللّه عز وجل : قلة الأكل وقلة النوم وقلة الكلام ، وكان بعض السلف يقول : أدنى أحوال المؤمن قلة الأكل والنوم ، وأفضل أحوال المنافق كثرة الأكل والنوم . وقال القشيري في الرسالة : قال يحيى بن معاذ : لو أن الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره ، وكان سهل التستري إذا جاع قوى وإذا أكل ضعف . وقال أبو عثمان المغربي : الرباني لا يأكل أربعين يوما ؛ والصمداني لا يأكل ثمانين يوما . [ الكلام في القلب ] ( وأما القلب ) هذا هو الرابع من الأعضاء الأربعة التي هي الأصول ( فحسبك ) فيه ( أنه أصل الكل ) أي كل الجوارح التي هي جنوده ورعيته ( إن أفسدته ) أي القلب بالجحود والكفران ( فسد الكل ) بالفجور والعصيان ( وإن أصلحته ) بالإيمان والعلم والعرفان ( صلح الكل ) بالأعمال والإخلاص والأحوال ، وإذا كان صلاح الكل في إصلاح القلب وجب صرف العناية إليه ، وذلك أي صلاح القلب إنما يكون بطهارته عن الصفات المذمومة كلها دقيقها وجليلها ، وهذه هي الصفات المناقضة للعبودية من أوصاف البشرية ، وهي كثيرة مثل الكبر والعجب والرياء والسمعة والحقد والحسد وحب الجاه والمال ، ويتفرع عن هذه الأصول فروع خبيثة من العداوة والبغضاء والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء وترك الثقة بمجىء الرزق وخوف سقوط المنزلة من قلوب الخلق والشح والبخل وطول الأمل والأشر والبطر والغل والغش والمباهاة والتصنع والمداهنة والقسوة والفظاظة والغلظة والغفلة والجفاء والطيش والعجلة والحدة والحمية وضيق الصدر وقلة الرحمة وقلة الحياء وترك القناعة وحب الرياسة وطلب العلو والانتصار للنفس إذا نالها الذل وذهاب ملك النفس إذا رد عليه قوله إلى غير ذلك من النعوت الذميمة والأخلاق اللئيمة ، وأصل فروعها وعنصر ينابيعها : إنما هو رؤية النفس والرضا عنها وتعظيم قدرها وترفيع أمرها ، فبهذه الأمور كفر من كفر ونافق من نافق وعصى من عصى ، وبها خلع من عنقه ربقة العبودية لربه عز وجل من