بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
شرح
القرية التي ضرب اللّه بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئا مفروضا ، ويحتمل أن تكون قرية معينة وعلى التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها والأكثرون من المفسرين على أنها مكة ، والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلا لمكة ومثل مكة يكون غير مكة ( بأنعم اللّه ) جمع نعمة ، والمراد بها سائر النعم التي أنعم اللّه بها على أهل مكة فلما قابلوا نعم اللّه التي أنعم بها عليهم بالجحود والكفر لا جرم أن اللّه تعالى انتقم منهم فقال تعالى( فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ )وذلك أن اللّه تعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين قطع عنهم المطر وقطعت عنهم العرب الميرة بأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة والجيف ، والكلاب الميتة والعهن وهو الوبر يعالج بالدم ويخلط به حتى يؤكل حتى كان أحدهم ينظر إلي السماء فيرى شبه الدخان من الجوع ، ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك وقالوا ما هذا ، هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان فأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للناس في حمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون والخوف يعنى خوف بعوث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وسراياه التي كان يبعثها للإغارة فكانت تطيف بهم وتغير على من حولهم من العرب ، فكان أهل مكة يخافونهم . فان قلت الإذاقة واللباس استعارتان ، فما وجه صحتهما والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار ، فما وجه صحة إيقاعها عليه ؟ وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس ، فيقال كساهم اللّه لباس الجوع ، أو يقال فأذاقهم اللّه طعم الجوع . قلت قال صاحب الكشاف : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها فيقول ذاق فلان البؤس والضرّ وأذاقه العذاب . شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع ، وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشى الانسان والتلبس به من ثبعض الحوادث ، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يغشي منهما ويلابس فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف ، ثم ذكر بعده من علم المعاني والبيان ما يشهد لصحة ما قال . وقال الامام فخر الدين الرازي : جوابه من وجوه : الأول أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان . أحدهما أن المذوق هو الطعام فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع . والثاني أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات فأشبه اللباس . والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق وحالة تشبه الملبوس فاعتبر اللّه كلا الاعتبارين فقال «فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ» . الوجه الثاني أن التقدير أن اللّه عرفها أثر لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة ، وأصل الذوق بالضم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف وهو الاختبار تقول : ناظر فلانا وذق ما عنده قال الشاعر :ومن يذق الدنيا فانى طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها