ثمّ عليك وفّقك اللّه وإيّانا بحسن توفيقه بعد قطع هذه العقبات والظّفر بالمقصود من هذه العبادة السّالمة من الآفات بالحمد والشّكر للّه سبحانه على هذه النّعمة العظيمة والمنّة الكريمة ،
شرح
واعلم أن اللّه تعالى قرن الشكر بالذكر في كتابه العزيز وأمر به مع أنه تعالى عظم الذكر حيث قال « ولذكر اللّه أكبر » فقال تعالى« فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ »فصار الشكر أكبر لاقترانه به ورضى بالشكر مجازاة من عباده لفرط كرمه لأن قوله « فاذكروني أذكركم واشكروا لي » خرج في لفظ المجازاة لتحقق الأمر وتعظيم الشكر ، لأن الفاء للشرط والجزاء والكاف المقدمة للتمثيل ، فقوله تعالى« فَاذْكُرُونِي »متصل بقوله« كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ،فَاذْكُرُونِي،وَاشْكُرُوا لِي »والمعنى كمثل ما أرسلت فيكم رسولا منكم فاشكروا ، وهم يكتفون عن مثل بالكاف كما يكتفون عن سوف بالسين ، وهذا تفصيل للشكر عظيم لا يعلمه إلا العلماء باللّه تعالى ، وقال تعالى« وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ »وقال عز وجل إخبارا عن إبليس اللعين« لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ »قيل هو طريق الشكر هذا أحد الوجوه في الآية نقله صاحب القوت ؛ فلو لا أن الشكر طريق قريب يوصل إلى اللّه تعالى لما عمل العدو في قطعه ، ولعلو رتبة الشكر طعن اللعين في الخلق . فقال «وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ» فلو لا أن الشاكر حبيب رب العالمين ما قال ذلك ، وكذلك قال تعالى« وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ »كما قال تعالى« وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »وفي الآية تنبيه على أن توفية شكر اللّه صعب ، ولذلك لم يثن بالشكر من أوليائه ، إلا على اثنين . قال في وصف إبراهيم عليه السّلام «شاكِراً لِأَنْعُمِهِ» . وقال في نوح عليه السّلام « إنه كان عبدا شكورا » ، وروى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر » وروى عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال « ينادى يوم القيامة ليقم الحمادون فتقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنة قيل ومن الحمادون ؟ قال الذين يشكرون اللّه على السراء والضراء » ولما نزل في الكنوز ما نزل قال عمر رضى اللّه عنه : أي المال نتخذ ؟ فقال عليه السّلام « ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا » فأمر باقتناء القلب الشاكر بدلا عن المال ، وقال ابن مسعود : الشكر نصف الإيمان ، والآيات والأخبار في فضيلة الشكر كثيرة ، وفيما ذكرناه كفاية لأولي الألباب ( ثم عليك وفقك اللّه وإيانا بحسن توفيقه بعد قطع هذه العقبات و ) بعد ( الظفر بالمقصود من هذه العبادة السالمة من الآفات ) المهلكات ( بالحمد والشكر ) متعلق بعليك ( للّه سبحانه على هذه النعمة العظيمة والمنة الكريمة ) وهي العبادة السالمة من الآفات ، وهما أعنى الحمد والشكر عبادة الأولين والآخرين وعبادة الملائكة وعبادة الأنبياء عليهم السّلام وعبادة أهل الأرض وعبادة أهل الجنة فأما عبادة الأنبياء عليهم السّلام فهو أن آدم عليه السّلام لما عطس قال الحمد للّه وأن نوحا عليه الصلاة والسّلام لما أغرق اللّه