تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
وإنّما يلزمك ذلك لأمرين : أحدهما : لدوام النّعمة العظيمة ، والثّانى : لحصول الزّيادة ، فأمّا دوام النّعمة فلأنّ الشّكر قيد النّعم ، به تدوم وتبقى ، وبتركه تزول وتحول ، قال اللّه سبحانه :
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ )
وقال عزّ من قائل :
( فَكَفَرَتْ
شرح
قومه وأنجاه ومن معه من المؤمنين وأمره اللّه تعالى بأن يحمده ، فقال له «فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» وقال إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسّلام «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ» وقال داود وسليمان عليهما السّلام «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ»

[ إن أهل الجنة يحمدون اللّه تعالى في ستة مواضع إنما يلزمك الحمد والشكر لأمرين ، وبيانهما ]

وإن أهل الجنة يحمدون اللّه تعالى في ستة مواضع : أحدها عند قوله تعالى« وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ »فإذا امتازوا يقولون :« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »والثاني حين جاوزوا الصراط قالوا «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ» والثالث لما اغتسلوا بماء الحياة نظروا إلى الجنة ، فقالوا «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ» والرابع حين دخلوها قالوا «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ» والخامس حين استقروا في منازلهم قالوا« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ »الآية . والسادس حين فرغوا من الطعام قالوا «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ *» وقال بعض الحكماء اشتغلت بشكر أربعة أشياء : أولها أن اللّه تعالى خلق ألف صنف من الخلق ورأيت بني آدم أكرم الخلق فجعلني من بني آدم ؛ والثاني فضل الرجال على النساء فجعلني من الرجال ، والثالث رأيت الإسلام أفضل الأديان وأحبها إلى اللّه تعالى فجعلني مسلما ، والرابع رأيت أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الأمم فجعلني من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . ( وإنما يلزمك ذلك ) أي الحمد والشكر ( لأمرين : أحدهما لدوام النعمة العظيمة ، والثاني لحصول الزيادة ، فأما دوام النعمة فلأن الشكر قيد النعم ، به ) أي بسبب الشكر ( تدوم ) تلك النعم ( وتبقى وبتركه ) أي الشكر ( تزول ) النعم وتحول . قال سبحانه« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ »من العافية والنعمة التي أنعم بها عليهم ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) يعنى من الحالة الجميلة بالحالة القبيحة فيعصون ربهم ويجحدون نعمه عليهم فعند ذلك تحل نقمته بهم ، وهو قوله تعالى« وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ » .قال العلامة الزبيدي معنى الآية قيل لا يغير نعمه عليهم حتى يغيروها بتضييع الشكر فيعاقبهم بالتغير ، والوجه الآخر لا يغير ما بهم من عقوبة حتى يغيروا معاصيهم بالتوبة فذكر ذلك السبب الأول من حكمه ، ثم ذكر السبب الثاني من حكمته وهو مسبب الأسباب يمشيئته وحكمته ( وقال عز من قائل ) «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ( فَكَفَرَتْ )يعنى هذه القرية ، والمراد أهلها . قال الإمام فخر الدين الرازي بعد كلام : فهذه