تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
كيف ابتهل إلى اللّه في أن يتفضّل عليه بالقبول ، فقال : ( ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم ) ولمّا فرغ من دعائه قال : ( ربّنا وتقبّل دعاء ) فلئن منّ عليك بقبول هذه البضاعة المزجاة ، فلقد أكمل النّعمة وأعظم المنّة ، فيا لها
شرح
كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه وبعث اللّه جبريل حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبى قبيس صيانة له من الغرق فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، ثم إن اللّه تعالى أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق ببناء بيت يذكر فيه ويعبد فسأل اللّه أن يبين له موضعه فبعث اللّه السكينة لتدله على موضع البيت ، وهي ريح خجوج لها رأسان تشبه الحية ، والخجوج من الرياح وهي الشديدة السريعة الهبوب ، وقيل هي المتلوية في هبوبها وأمر إبراهيم أن يبنى حتى تستقر السكينة فتبعها إبراهيم حتى أتت موضع البيت فتطوقت عليه كتطويق الحجفة . وقال ابن عباس رضى اللّه عنهما : بعث اللّه سبحانه وتعالى سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشى في ظلها إلى أن وقفت على موضع البيت ونودي منها : يا إبراهيم ابن علي قدر ظلها لا تزد ولا تنقص ، وقيل إن الريح كنست له ما حول الكعبة حتى ظهر له أساس البيت الأول فذلك قوله تعالى« وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ »فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ، فذلك قوله تعالى« وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ »جمع قاعدة ، وهي أس البيت وقيل جدرة من البيت . قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : بنى إبراهيم البيت من خمسة أجبل : من طور سيناء ، وطور زيتاء ، ولبنان جبل بالشام ، والجودى جبل بالجزيرة ، وبنى قواعده من حراء جبل بمكة ، فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود . قال لإسماعيل ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر ، فقال ائتني بأحسن منه فمضى إسماعيل ليطلب حجرا أحسن منه فصاح أبو قبيس يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها فقذف بالحجر الأسود فأخذه إبراهيم فوضعه مكانه ، وقيل إن اللّه تعالى أمد إبراهيم وإسماعيل بسبعة أملاك يعينونهما في بناء البيت ، فلما فرغ من بنائه ( كيف ابتهل ) إبراهيم مع ابنه عليهما الصلاة والسّلام وتضرع ( إلى اللّه في أن يفضل عليه ) أي على إبراهيم وابنه ( بالقبول فقال ) إبراهيم وابنه عليهما الصلاة والسّلام ( ربنا ) أي يقولان وهذا الفعل في محل النصب على الحال ، وقد أظهره عبد اللّه في قراءته ومعناه يرفعانها قائلين ربنا كما ذكره النسفي ( تقبل منا ) تقربنا إليك ببناء هذا البيت ( إنك أنت السميع ) لدعائنا ( العليم ) بضمائرنا ونياتنا ( ولما فرغ من دعائه ) عليه السّلام ، ومن جملة دعائه ما ذكر في القرآن العزيز في سورة إبراهيم ( قال ربنا ) أي يا ربنا ( وتقبل دعاء ) بالياء في الوصل والوقف مكي وافقه أبو عمرو وحمزة في الوصل الباقون بلا ياء : أي استجب دعائي أو عبادتي ، وأعتز لكم وما تدعون من دون اللّه ( فلئن من ) أي أنعم اللّه ( عليك ) يا نفس ( بقبول هذه البضاعة ) وهي الطاعة ( المزجاة ) أي الرديئة أو القليلة . والأصل في البضاعة بالكسر قطعة من المال تعد للتجارة ، والمراد هنا ما ذكر ( فلقد أكمل ) سبحانه وتعالى ( النعمة وأعظم المنة فيا لها )