تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
ومن طلب إرضاء النّاس فلا ينتظر رضاء الرّبّ ، ومن يكثر الكلام بالفضول والغيبة فلا يخرج من الدّنيا على دين الإسلام .
شرح
في ذلك مجهوده بالكلية ، وفي أثناء ذلك يصل إليه من المنح الإلهية ، ويشرق عليه من الأنوار الربانية ما تعجز العبارة عنه ولا تنتهى الإشارة إليه ؛ وكل ذلك في زمن يسير وعمر قصير فيرتفع له في شهر مثلا ما لا يرتفع لغيره في ألف شهر بمنزلة ليلة القدر العمل فيها لمن صادفها خير من العمل في ألف شهر . قال بعض العلماء : كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر . كان أبو العباس المرسى قدس سره يقول أوقاتنا والحمد للّه كلها ليلة القدر فهذا هو البركة في العمر لا تطويله وزيادة مدته ؛ وقيل هذا المعنى في تأويل ما روى في الخبر « البر يزيد في العمر »

[ من طلب رضا الناس فلا ينتظر رضا الرب ومن يكثر الكلام بالفضول والغيبة فلا يخرج من الدنيا على دين الإسلام ]

( و ) ثالثها قل لهم ( من طلب رضاء الناس فلا ينتظر رضا الرب ) لأن رضاهم غاية لا تدرك ، وأحمق الناس من طلب ما لا يدرك ، وهذا أعنى طلب رضاء الناس عذاب أليم استعجله في دنياه إذ يفوته بذلك راحة قلبه وطيب عيشه ويسلبه أثواب الغنى والعزة ويلبسه لباس الطمع والزلة فتردى بذلك همته وتقل قيمته - ولعذاب الآخرة أكبر ، وقد قال الشاعر :من راقب الناس مات غما * وفاز باللذة الجسورورأى سهل بن عبد اللّه رحمه اللّه رجلا من الفقهاء بمكة فقال له شيئا فقال له يا أستاذ لا أقدر على هذا من أجل الناس فالتفت سهل إلى أصحابه ، فقال لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين حتى يسقط الناس من عينه فلا يرى في الدنيا إلا هو وخالقه ، فإن أحدا لا يقدر أن يضره ولا ينفعه ، أو تسقط نفسه عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه انتهى ، ثم من له بحصول ما أراده منهم فأغراضهم مختلفة وطباعهم متباينة ، فربما استحسن من نفسه شيئا لم يستحسنه غيره ، وربما أرضى شخصا بما لا يرضى الآخر فهو يعمل بزعمه فيما ينفعه عند الناس وساع فيما يضره عندهم ، وعند اللّه تعالى مع مقاساة التعب والنصب في نفسه ( و ) رابعها قل لهم ( من يكثر الكلام بالفضول والغيبة ) بكسر الغين ( فلا يخرج ) أي المكثر لما ذكر ( من الدنيا على دين الاسلام ) وذلك ، لأن فضول الكلام مذموم لا سيما إكثاره ، وهذا يتناول الخوض فيما لا يعنى والزيادة فيما يعنى على قدر الحاجة مع أن رأس مال العبد أوقاته ، ومهما صرفها إلى ما لا يعنيه ولم يدخر بها ثوابا في الآخرة ، فقد ضيع رأس ماله وخسر خسرانا مبينا ، ولهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » رواه أحمد وأبو يعلى والترمذي ، وإذا حسن الاسلام اقتضى ترك ما لا يعنى كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها فهذا كله لا يعنى المسلم إذا كمل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان ، فمن عبد اللّه على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه وعلى استحضار قرب اللّه منه واطلاعه عليه فقد حسن إسلامه ، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الاسلام ويشتغل بما يعنيه فيه فإنه يتولد من هذين المقامين الاستحياء من