فلا ترد بطاعتك شيئا من ذلك ، وإذا رأيت خسّة الدّنيا وحقارتها وسرعة زوالها ، فلا تردها أيضا بطاعتك من اللّه ، وقل : يا نفس ثناء ربّ العالمين وشكره خير من ثناء المخلوقين العاجزين الجاهلين الذين لا يعرفون قدر عملك بالحقيقة وما تحمّلت فيه ، وما يبلغون حقّك فيما عملت وتحمّلت ، بل ربّما يفضّلون عليك من هو أدون منك حالا بالألف درجة ، ويضيّعونك في أحوج الأوقات وينسونك ، وإن لم يفعلوا ذلك
شرح
بمدح الناس وثنائهم غاية في الجهل والغباوة ، وذلك من علامات المقت ؛ لأن المغتر بذلك ترك يقين ما عنده من العيوب لظن ما عند الناس من الصلاح ، وهو على كل حال أعلم بعيوب نفسه وتقصيره مع ربه ، وقد شبه الحارث المحاسبي رحمه اللّه الراضي بالمدح بالباطل بمن يهزأ به ويقال له إن العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحة كرائحة المسك ، وهو يفرح بذلك ويرضى بالسخرية به انتهى ، ولا شك أن الذنوب والعيوب التي يعلمها العبد من نفسه أنتن وأقذر من العذرة التي تخرج من جوفه ، ولا فرق بين الحالين إلا أنه في حال المدح يعلم أن المادح لم يشاركه في معرفة ذنوبه وعيوبه مشاركة ذلك المستهزىء للمستهزأ به في معرفة حال ما يخرج من جوفه فهو بجهله وغباوته قد رضى بأن يكون له في قلوب الجاهلين قدر وجاه من غير مبالاة بسقوطه من عين مولاه الذي يعلم من حاله ما لا يعلمه هو ولا غيره من حيث رضى بالمدحة وفرح بها ولم يقابل بالإباء والكراهية .
هذا إذا كان المادح من أهل العلم والدين . وأما إن كان جاهلا أو فاسقا فلا غباوة أعظم من الرضا بمدحهم والفرح به . قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه اللّه : تزكية الأشرار هجنة بك وحبهم لك عيب عليك ، وقيل لبعض الحكماء إن العامة يثنون عليك فأظهر الوحشة من ذلك وقال لعلهم رأوا منى شيئا أعجبهم ولا خير في شئ يسرهم ويعجبهم كذا ذكره بعض المحققين ( فلا ترد ) أي لا تقصد ( بطاعتك شيئا من ذلك ) أي المذكور من التفاتهم إليك وثنائهم ومدحهم وتعظيمهم الذي لا فائدة تحته ، وإن ترد ذلك دخل عليك الشرك الخفي . هذا ، وأما إذا أطلق اللّه تعالى ألسنة الناس بالثناء عليك ولا أهلية فيك لذلك ، فينبغي أن تعرف الحق لأهله فتستعمل نفسك بالثناء على اللّه تعالى بما هو أهله ليكون ذلك شكرا لنعمة إطلاق الألسنة بالثناء عليك من غير استحقاق لذلك ولا لثبوت أهلية