وإن أكرهت النّفس على ذلك وجاهدت بضروب الحيل فلا يكون لتلك العبادة لذّة ولا حلاوة ، ولذلك قيل : لا تطمع في حلاوة العبادة مع كثرة الأكل ، وأىّ نور في نفس بلا عبادة وفي عبادة بلا لذّة ولا حلاوة ؟ ولهذا المعنى قال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه :
صحبت أكثر رجال اللّه تعالى في جبل لبنان فكانوا يوصوننى : إذا رجعت إلى أبناء الدّنيا فعظهم بأربع خصال ، قل لهم من يكثر الأكل لا يجد لذّة العبادة ، ومن ينم كثيرا لا يجد في عمره بركة ،
شرح
في المفضل عليه أن ملء الأوعية لا يخلو عن طمع أو حرص في الدنيا وكلاهما شر على الفاعل ، والشبع يوقع في مداحض فيزيغ عن الحق ويغلب عليه الكسل فيمنعه من التعبد وتكثر فيه مواد الفضول فيكثر غضبه وشهوته ويزيد حرصه فيوقعه في طلب ما زاد على الحاجة ( وإن أكرهت النفس على ذلك ) أي العبادة ( وجاهدت بضروب ) أي بأنواع ( الحيل ) جمع حيلة ( فلا يكون لتلك العبادة لذة ولا حلاوة ولذلك ) أي لعدم وجدان لذة العبادة وحلاوتها مع امتلاء البطن ( قيل لا تطمع في حلاوة العبادة مع كثرة الأكل ، وأي نور في نفس بلا عبادة ، و ) أي نور ( في عبادة بلا لذة ولا حلاوة ) ولذلك قال أبو سليمان الدارانى رحمه اللّه : مفتاح الدنيا الشبع ، ومفتاح الآخرة الجوع ، وذلك لأن الشبع يحرك شهوته التي منها شهوة الفرج ، والعبد إذا تزوج وسلم من الفساد كثرت كلفته ؛ وإن جاءته أولاد فقد حصلت عنده الأعداء وتوالت جهة الفساد ، قال تعالى« إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ »بخلاف الجوع فإنه يحرك للطاعة ، ولذا قال يحيى ابن معاذ رحمه اللّه : الجوع نور والشبع نار ، والشهوة مثل الحطب يتولد منه الاحتراق ولا تطفأ ناره حتى يحرق صاحبه ( ولهذا المعنى ) وهو النهى عن الطمع في حلاوة العبادة مع كثرة الأكل ( قال إبراهيم بن أدهم ) بن منصور ( رحمه اللّه ) توفى سنة إحدى وستين ومائة ( صحبت أكثر رجال اللّه تعالى ) من الأولياء ( في جبل لبنان ) بالشام ( فكانوا يوصوننى ) أي يأمرونني ويقولون لي يا ابن أدهم ( إذا رجعت إلى أبناء الدنيا فعظهم بأربع خصال ) أحدها ( قل لهم من يكثر الأكل لا يجد لذة العبادة ) لأن اللّه تعالى ما صافي أحدا إلا بالجوع ولا مشوا على الماء إلا به ولا طويت لهم الأرض إلا بالجوع ولا تولاهم اللّه تعالى إلا بالجوع كما ذكره عبد الواحد بن زيد البصري رحمه اللّه تعالى