سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 435
وحكى أنّه اجتمع محمّد بن واسع ومالك بن دينار ، فقال مالك : إمّا طاعة اللّه أو النّار . فقال محمّد بن واسع : إمّا رحمة اللّه أو النّار ، فقال مالك : ما أحوجني إلى معلّم مثلك . وعن أبي يزيد البسطامىّ رحمه اللّه قال : كابدت العبادة ثلاثين سنة فرأيت قائلا يقول لي : يا أبا يزيد : خزائنه مملوءة من العبادة ، فإن أردت الوصول إليه فعليك بالذّلّة والافتقار . وسمعت الأستاذ أبا الحسن ، [ الخبر المأثور عن الصادق المصدوق الوارد في إحباط الرياء للأعمال الصالحة ] ( وحكى أنه اجتمع ) أبو عبد اللّه ( محمد بن واسع ) البصري العابد ، وكان رحمه اللّه يقول من زهد في الدنيا فهو ملك الدنيا والآخرة ، وكان يقول من أقبل بقلبه على اللّه أقبل اللّه بقلوب العباد إليه ( ومالك ابن دينار ) البصري الزاهد التابعي توفى سنة ثلاث وعشرين ومائة ، وقيل سنة تسع وعشرين رحمه اللّه ( فقال مالك : إما طاعة اللّه أو النار ، فقال محمد بن واسع ، إما رحمة اللّه أو النار ، فقال مالك ما أحوجني ) فعل تعجب ( إلى معلم مثلك ، وعن أبي يزيد ) طيفور بن عيسى بن آدم بن عيسى ابن علي ( البسطامي ) الزاهد المشهور كان جده مجوسيا ثم أسلم وكان له أخوان زاهدان عابدان أيضا آدم وعلى ، وكان أبو يزيد أجلهم ، وسئل أبو يزيد بأي شئ وجدت هذه المعرفة ؟ قال ببطن جائع وبدن عار ، وقيل لأبى يزيد ما أشد ما لقيته في سبيل اللّه تعالى ؟ فقال لا يمكنني وصفه فقيل له ما أهون ما لقيت نفسك منك . قال أما هذا فنعم ، دعوتها إلى شئ من الطاعات فلم تجبنى طوعا فمنعتها الماء سنة ، وكان يقول لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى وحفظ الحدود وأداء الشريعة ، وله مقالات كثيرة ومجاهدات مشهورة وكرامات ظاهرة وكانت وفاته سنة إحدى وستين وقيل أربع وستين ومائتين ( رحمه اللّه ) وطيفور بضم الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الفاء وبعد الواو الساكنة راء ، والبسطامي بفتح الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعد الألف ميم هذه النسبة إلى بسطام وهي بلدة مشهورة من أعمال قومس ، ويقال إنها أول بلاد خراسان من جهة العراق . كذا قال عبد الحق ( قال كابدت العبادة ) أي تحاملت مشقتها ( ثلاثين سنة فرأيت قائلا يقول لي يا أبا يزيد خزائنه ) أي خزائن اللّه تعالى ( مملوءة من العبادة فان أردت الوصول فعليك ) أي الزم ( بالذلة والافتقار ) إلى مولاك وذلك لأن أعظم وسائل العبد إلى مولاه هو تحققه بما توجبه عبوديته وهو فقره إليه جل وعز في كل حال من أحواله فلا يرى لنفسه حسنة يقتضى بها ثوابا ولا يدلي بحجة يستدفع بها عن نفسه عقابا ، وسئل أبو حفص رحمه اللّه بما ذا يقدم الفقير على ربه فقال وما للفقير أن يقدم به على ربه سوى فقره ( وسمعت الأستاذ أبا الحسن