تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
وهو الّذى يقول : « ليس أحد يدخل الجنّة بعمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا ، إلّا أن يتغمّدنى اللّه برحمته » . ( وأمّا النّعم والأيادى ) فكما قال تعالى :
( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها )
وعلى ما روى إنّه يحشر النّاس على ثلاثة دواوين : ديوان الحسنات ، وديوان السّيّئات ، وديوان النّعم ، فتقابل الحسنات بالنّعم ،
شرح
الإلهية وانمحقت منه المبصرات دون المبصر ، وجاوز هؤلاء طائفة منهم خواص الخواص فأحرقتهم سبحات وجهه وغشيهم سلطان الجلال وامحقوا وتلاشوا في ذاته ولم يبقى لهم لحاظ إلى أنفسهم بفنائهم عن أنفسهم ولم يبق إلا الواحد الحق ، وصار معنى قوله تعالى« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »لهم ذوقا وحالا فهذه نهاية الواصلين ، ومنهم من لم يتدرج في الترقي والعروج عن التفصيل الذي ذكرناه ولم يطل عليه العروج فسبقوا في أول وهلة إلى معرفة القدس وتنزيه الربوبية عن كل ما يجب تنزيهه عه فغلب عليهم أولا ما غلب على الآخرين آخرا وهجم عليهم التجلي دفعة فأحرقت سبحات وجهه جميع ما يمكن أن يدركه بصر حسى أو بصيرة عقلية ، ويشبه أن يكون الأول طريق الخليل عليه السّلام ، والثاني طريق الحبيب صلوات اللّه وسلامه عليه واللّه أعلم بأسرار أقدامهما وأنوار مقامهما ، فهذه إشارة إلى أصناف المحجوبين ، ولا يبعد أن يبلغ عددهم إذا فصلت المقامات وتتبع حجب السالكين سبعين ألفا ، وإذا فتشت لا تجد منهم خارجا عن الأقسام التي حصرناها ، فإنهم إنما يحجبون بصفاتهم البشرية ، أو بالحس أو بالخيال أو بمقايسة العقل أو بالنور المحض كما سبق انتهى . ولنقبض عنان الكلام عن هذا النمط ولنرجع إلى شرح كلام المصنف . قال رحمه اللّه ( وهو ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( الذي يقول « ليس أحد يدخل الجنة بعمله » ) وفي رواية « ما منكم من أحد ينجيه عمله » ( قالوا ) أي الصحابة ( ولا أنت يا رسول اللّه قال ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته ) أي غمره وعمه بها متفق عليه من حديث أبي هريرة كما قاله العراقي . قال الزبيدي : ورواه ابن حبان أيضا بزيادة « ولكن سددوا » ويروى من حديث شريك ابن طارق وأبى موسى .

[ الكلام في النعم والأيادى الأمر المخوف أن العبد يكدح في العبادة ويدأب سبعين سنة عن عيوبه وآفاته فربما لا يكون واحدا منها مقبولا ]

( وأما النعم والأيادى ) بمعنى واحد ( فكما قال تعالى :وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها )يعنى أن نعم اللّه كثيرة على عباده فلا يقدر أحد على حصرها ولا عدها لكثرتها ( وعلى ما روى « إنه يحشر الناس على ثلاثة دواوين ) جمع ديوان بالكسر وقد تفتح فارسي معرب . قال في المغرب : هو الجريدة من دون الكتب إذا جمعها لأنها قطعة من دون القراطيس مجموعة . قال الطيبي : والمراد هنا صحائف الأعمال ( ديوان الحسنات وديوان السيئات وديوان النعم فتقابل الحسنات بالنعم
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 432 | السيد احمد بن زيني دحلان