الحسن البصرىّ رحمه اللّه أنّه رؤى في المنام بعد موته ، فسئل عن حاله فقال :
أقامني اللّه بين يديه وقال يا حسن : أتذكر يوم كنت تصلّى في المسجد ، إذ رمقك النّاس بأبصارهم فزدت حسنا لصلاتك ، فلو لا أنّ أوّل صلاتك كان لي خالصا لطردتك اليوم عن بابى ، ولقطعتك عنّى مرّة واحدة . ولمّا كان الأمر في الجملة من الدّقّة والصّعوبة إلى حدّ عظيم نظر أولو الأبصار فيه ، فخافوا على أنفسهم حتّى إنّ منهم من لا يلتفت إلى جميع ما يظهر للنّاس عن أعماله ، حتّى حكى عن رابعة أنّها قالت : ما ظهر لي من أعمالى لا أعدّه شيئا ، وقال آخر : اكتم حسناتك كما تكتم سيّئاتك ، وآخر يقول : إن أمكنك أن تجعل لك خبئا من الخير فافعل ، ولقد حكى أنّه قيل لرابعة : بم ترتجين أكثر ما ترتجين ؟ قالت بيأسى من جلّ عملي .
شرح
الحسن البصري ) التابعي ( رحمه اللّه أنه ) أي الحسن ( رؤى في المنام بعد موته فسئل ) الحسن ( عن حاله ) أي فقال السائل كيف حالك ( فقال ) أي الحسن ( أقامني اللّه بين يديه ) عز وجل ( وقال ) سبحانه ( يا حسن أتذكر يوم كنت تصلى في المسجد إذ رمقك ) أي نظرك ( الناس بأبصارهم فزدت حسنا لصلاتك ) أي لأجل نظرهم ( فلو لا أن أول صلاتك كان لي خالصا لطردتك ) أي أبعدتك ( اليوم عن بابى ) أي باب رحمتي ( ولقطعتك عنى مرة واحدة ) .
قال المصنف رحمه اللّه ( ولما كان الأمر ) أي أمر العبادة الخالصة ( في الجملة من الدقة والصعوبة إلى حد عظيم نظر أولو الأبصار ) أي أصحاب البصائر ( فيه ) أي في هذا الأمر ( فخافوا على أنفسهم حتى إن منهم من لا يلتفت إلى جميع ما يظهر للناس من أعماله ، حتى حكى عن رابعة ) بنت إسماعيل العدوية البصرية الصالحة المشهورة كانت من أعيان عصرها وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة وكانت وفاتها في سنة خمس وثلاثين ومائة ذكره ابن الجوزي في شذور العقود ، وقال غيره سنة خمس وثمانين ومائة رحمها اللّه تعالى ، وقبرها يزار وهو بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمى الطور ( أنها قالت ما ظهر لي من أعمالى لا أعده شيئا ، وقال آخر ) هو أبو يعقوب المكفوف كما في الإحياء ( أكتم ) بضم أوله على حد أنصر ( حسناتك كما تكتم سيئاتك ) وهو يرجع إلى قول من قال إن الإخلاص هو التوقي عن ملاحظة الأشخاص ( وآخر يقول إن أمكنك أن تجعل لك خبئا ) أي مخبوءا فهو معنى مفعول بلفظ المصدر : يقال خبأ الشئ يخبؤه خبئا ستره الخبء مصدر ( من الخير فافعل ، ولقد حكى أنه قيل لرابعة ) العدوية رحمها اللّه ( بم ) أي أي شئ ( ترتجين أكثر ما ترتجين ؟ قالت بيأسى من جل عملي ) بضم الجيم : أي معظمه وأكثره