سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 431
لا يحتجب عن خلقه بشئ ، ولكنه حجب خلقه عنه ، فقال له القصاب أو لا أكفر عن يميني يا أمير المؤمنين ؟ فقال لا ، إنك حلفت بغير اللّه ، فأما قوله لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه فقد تأوله أبو عبيد على أن المراد به لو كشف الرحمة عن النار لأحرقت من على الأرض ، وكذلك قوله دون اللّه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة ، معناه أنها أجمع حجاب لغيره لأنه غير محصور في شئ ، وقيل معناه أن للّه عز وجل علامات ودلالات على وحدانيته لو شاهدها الخلق لقامت مقام العيان في الدلالة عليه غير أنه خلق دون تلك الدلائل سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ليتوصل الخلق إلى معرفته بالأدلة النظرية دون المعارف الضرورية انتهى ، وفضل الخطاب في هذا المقام ما قاله المصنف في مشكاة الأنوار في تفسير هذا الحديث ما نصه : إن اللّه متجلي في ذاته بذاته لذاته ويكون الحجاب بالإضافة إلى محجوب لا محالة . [ المحجوبون من الخلق ثلاثة أقسام ، وبيان كل قسم ] وإن المحجوبين من الخلق ثلاثة أقسام : منهم من يحجب بمجرد الظلمة ، ومنهم من يحجب بالنور المحض ، ومنهم من يحجب بنور مقرون بظلمة وأصناف هذه الأقسام كثيرة ، ويمكنى أن أتكلف حصرها لكني لا أثق بما يلوح من تحديد وحصر ، إذ لا أدرى أنه المراد بالحديث أم لا ؟ أما الحصر إلى السبعمائة أو سبعين ألفا فتلك لا يستقل بها إلا القوة النبوية مع أن ظاهر ظني أن هذه الأعداد مذكورة للتكثير لا للتحديد ، وقد تجرى العادة بذكر أعداد ولا يراد به الحصر بل التكثير واللّه أعلم بتحقيق ذلك ، وذلك خارج عن الوسع وإنما الذي يمكنني الآن أن أعرفك هذه الأقسام وبعض أصناف كل قسم . القسم الأول : المحجوبون بمحض الظلمة وهؤلاء صنفان ، والصنف الثاني منهما ينقسم أربعة فرق ؛ وأصناف الفرقة الرابعة لا يحصون ، وكلهم محجوبون عن اللّه بمحض الظلمة وهي نفوسهم المظلمة . والقسم الثاني : طائفة حجبوا بنور مقرون بظلمة ، وهم ثلاثة أصناف : صنف منشأ ظلمتهم من الحس ، وصنف منشأ ظلمتهم من الخيال ، وصنف منشأ ظلمتهم عن مقايسات عقلية فاسدة ، وفي الصنف الأول طوائف ستة لا يخلو واحد منهم عن مجاوزة الالتفات إلى نفسه والتشوق إلى معرفة ربه ، وفي الصنف الثاني أيضا طوائف وأحسنهم رتبة المجسمة ثم الكرامية ، وفي الثالث أيضا فرق فهؤلاء كلهم أصناف القسم الثاني الذين حجبوا بنور مقرون بظلمة . والقسم الثالث : هم المحجوبون بمحض الأنوار وهم أربعة أصناف : الواصلون منهم . الصنف الرابع : وهم الذين تجلى لهم أن الرب المطاع موصوف بصفة لا تتناهى في الوحدانية المحضة والكمال البالغ وأن نسبة هذا المطاع إلى الموجودات الحسية نسبة الشمس في الأنوار المحسوسة منه فتوجهوا من الذي يحرك السماوات ومن الذي أمر بتحريكها إلى الذي فطر السماوات وفطر الأرض بتحريكها ؟ فوصلوا إلى موجود منزه عن كل ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم ، إذ وجودهم من قبله فأحرقت سبحات وجهه وجه الأول إلا على جميع ما أدركه الناظرون وبصيرتهم إذ وجدوه مقدسا منزها ، ثم هؤلاء انقسموا ، فمنهم من أحرق منه جميع ما أدركه بصره وامحق وتلاشى ولكن بقي هو ملاحظا للجمال والقدس وملاحظا ذاته في جماله الذي ناله بالوصول إلى الحضرة