سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 429
وهذا سيّد المرسلين وخير العالمين ، أعلم الخلق وأفضلهم ، محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى آله أجمعين يقول : « لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » يقول : أنا لا أقدر أن أثنى عليك ثناء أنت له أهل ، فضلا عن أن أعبدك كما أنت له أهل ، ما عبدناك حق عبادتك ، وللّه ملائكة في السماء السادسة سجودا منذ خلقت السماوات والأرض إلى أن تقوم الساعة يقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك » ( وهذا ) أي نبينا ( سيد المرسلين وخير العالمين أعلم الخلق وأفضلهم ) على الاطلاق ( محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى آله أجمعين يقول : لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) قال العراقي : أخرجه مسلم من حديث عائشة رضى اللّه عنها . وأخرجه الإمام أحمد عن أبي أسامة . قال المصنف في معنى هذا الحديث ( يقول ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( أنا لا أقدر أن أثنى عليك ثناء أنت له أهل فضلا ) أي زائدا ( عن أن أعبدك ) حق عبادتك . اعلم أن فضلا يستعمل في موضع يستبعد فيه الأدنى ويراد به استحالة ما فوقه ، ولهذا يقع بين كلامين متغايرى المعنى وأكثر استعماله أن يجيء بعد نفى كما هنا ، قاله الفيومي عن قطب الدين الشيرازي في شرح المفتاح ( كما أنت له أهل ) . [ اتساع المعرفة إنما يكون في معرفة أسماء اللّه تعالى وصفاته ] قال المصنف في المقصد الأسنى ولم يرد به أنه عرف منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة عنه ، بل معناه أني لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وأنت المحيط بها وحدك فإذا لا يحيط مخلوق من ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة ، وأما اتساع المعرفة فإنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته ولذلك قال أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه : ما عرف اللّه بالحقيقة سوى اللّه عز وجل . وقال أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه في بعض خطبه على المنبر : الحمد للّه الذي لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته ، ويروى عنه أيضا : العجز عن درك الإدراك إدراك قال المصنف في كتابه المذكور نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ، ومعرفتهم بالحقيقة هي أنهم لا يعرفونه وأنهم لا يمكنهم البتة معرفته وأنه يستحيل أن يعرف اللّه المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا اللّه تعالى فإذا انكشف لهم ذلك انكشافا برهانيا فقد عرفوه : أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته ؛ ثم قال وللمعرفة سبيلان . أحدهما السبيل الحقيقي وذلك مسدود إلا في حق اللّه تعالى فلا يهتم أحد من الخلق لنيله وإدراكه إلا ردته سبحات الجلال إلى الحيرة ولا يشرئب أحد لملاحظته إلا غطى الدهش طرفه . وأما السبيل الثاني وهو معرفة الصفات والأسماء فذلك مفتوح للخلق وفيه تتفاوت مراتبهم فليس من يعلم أنه عالم قادر على الجملة كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض وخلق الأرواح والأجساد واطلع على بدائع المملكة وغرائب الصنعة