تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
شرح
ممعنا في التفصيل ومستغرقا في دقائق الحكمة ومستوفيا لطائف التدبير ومتصفا بجميع الصفات الملكية المقربة من اللّه تعالى نائلا تلك الصفات نيل اتصاف بها ، بل بينهما البون البعيد ما لا يكاد بحصى ، وفي تفاصيل ذلك ومقاديره تتفاوت الأنبياء والأولياء ولن يصل ذلك إلى فهمك إلا بمثال وللّه المثل الأعلى ، ولكنك تعلم أن العالم التقى الكامل مثلا مثل الشافعي رضى اللّه عنه يعرفه بواب داره ويعرفه المزنى تلميذه والبواب يعرفه أنه عالم بالشرع ومصنف فيه ومرشد خلق اللّه تعالى إليه على الجملة ، والمزنى يعرفه لا كمعرفة البواب بل يعرفه معرفة محيطة بتفاصيل صفاته ومعلوماته ، بل العالم الذي يحسن عشرة أنواع من العلوم لا يعرفه بالحقيقة تلميذه الذي لم يحصل إلا نوعا واحدا فضلا عن خادمه الذي لم يحصل شيئا من علومه بل الذي حصل علما واحدا فإنما عرف على التحقيق عشره إذا ساواه في ذلك العلم حتى لم يقصر عنه فان قصر عنه فليس يعرف بالحقيقة ما قصر عنه إلا بالاسم وإيهام الجملة وهو أنه يعرف أنه يعلم شيئا سوي ما علمه ، وكذلك فافهم تفاوت الخلق في معرفة اللّه تعالى فبقدر ما انكشف له من معلومات اللّه تعالى وعجائب مقدوراته وبدائع آياته في الدنيا والآخرة والملك والملكوت تزداد معرفتهم باللّه تعالى وتقرب معرفتهم من معرفته الحقيقية . فإن قلت فإذا لم يعرفوا حقيقة الذات واستحال معرفتها فهل عرفوا الأسماء والصفات معرفة تامة حقيقية ؟ قلنا هيهات ذلك لا يعرفه بالكمال في الحقيقة إلا اللّه تعالى ، لأنا إذا علمنا ذاتا عالمة فقد علمنا شيئا مبهما لا ندري حقيقته لكن ندري أن له صفة العلم ؛ فإن كانت صفة العلم معلومة لنا حقيقة كأن علمنا بأنه عالم أيضا علما تاما بحقيقة هذه الصفة وإلا فلا ، ولا يعرف أحد حقيقة علم اللّه تعالى إلا من له مثل علمه وليس ذلك إلا له فلا يعرفه سواه تعالى وإنما يعرفه غيره بالتشبيه بعلم نفسه وعلم اللّه تعالى لا يشبهه علم الخلق البتة فلا يكون معرفته به معرفة تامة حقيقية أصلا بل إيهامية تشبيهية انتهى . وفي كتاب الأسماء والصفات لأبى منصور التميمي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم وصف ربه عز وجل فقال حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شئ أدركته ، وفي رواية : دون اللّه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة انتهى . وقال العراقي : أخرج الشيخ ابن حبان في كتاب العظمة من حديث أبي هريرة « بين اللّه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجابا من نور » وإسناده ضعيف ، وفيه أيضا من حديث أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل « هل ترى ربك ؟ قال إن بيني وبينه لسبعين حجابا من نور » ولمسلم من حديث أبي موسى « حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » ولابن ماجة « كل شئ أدركه بصره » قال أبو منصور التميمي في كتابه المذكور : كل خبر ذكر فيه الحجاب فإنه يرجع معناه إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عن رؤية اللّه عز وجل وليس الخالق محجوبا عنهم لأنه يراهم ولا يجوز أن يكون مستورا بحجاب لأن ما ستره غيره فساتره أكبر منه وليس للّه عز وجل حد ولا نهاية فلا يصح أن يكون بغيره مستورا ، ودليله قوله عز وجل« كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ »ولم يقل إنه محجوب عنهم . ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي ليلى عن علي رضى اللّه عنه أنه مر بقصاب فسمعه يقول في يمينه : لا والذي احتجب سبعة أطباق فعلاه بالدرة وقال له : يا لكع إن اللّه