تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
وإلّا كنت حمّالا للطّعام مضيّعا للأيّام ، إذ قد علمنا يقينا بل رأينا عيانا أنّ العبادة لا تجىء منها شئ إذا امتلأ البطن ،
شرح
ولو سلمنا أنه مطلق لكان محمولا على المقيد ، فلم يفد المقيد غير الجواز أيضا . لا يقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم نزه عن فعل المكروه كالمحرم فكيف يشرب قائما ؟ . لأنا نقول شربه قائما لبيان الجواز وهذا واجب عليه ، فلم يفعل مكروها بل واجبا ، وهكذا يقال في كل فعل فعله صلّى اللّه عليه وسلّم لبيان الجواز مع نهيه عنه أو عما يشمله . واعلم أن كلا من حديث نهيه وفعله صلّى اللّه عليه وسلّم المذكورين صحيح ؛ وأن الجمع بينهما ما قررناه ، وحيث أمكن الجمع بين حديثين وجب المصير إليه ، ودعوى النسخ ليست في محلها ، وتضعيف خبر النهى غير مسموع مع إخراج مسلم له ؛ والاستدلال لعدم الكراهة بفعل الخلفاء الأربعة غير جار على قواعد الأصوليين مع أنه لا يقاوم ما صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم سيما في الشرب قائما ضرر ، ومن ثم ندب الاستقاء منه حتى للناسى لأنه محرك خلطا يكون القئ دواءه قال ابن القيم : وللشرب قائما آفات : منها أنه لا يحصل به الري التام ولا يستمر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج ؛ وكل هذا يضر بالشارب قائما ؛ وعند أحمد عن أبي هريرة « أنه رأى رجلا يشرب قائما فقال قه ، فقال لم ؟ فقال أيسرك أن يشرب معك الهر ؟ قال لا . قال شرب معك من هذا أشد منه الشيطان » وروى الترمذي في الشمائل من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « أنه صلّى اللّه عليه وسلّم شرب قائما وقاعدا » . قال الشارح : أي مرة قائما لبيان الجواز ومرارا كثيرة ، بل هي الأكثر المعروف المستقر من أحواله صلّى اللّه عليه وسلّم قاعدا . [ السادس ] أن يناول من كان على يمينه إن كان معه غيره ، فقد ورد « أنه شرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لبنا وأبو بكر قاعد عن شماله وأعرابي عن يمينه وعمر قاعد ناحية ، فقال عمر أعط أبا بكر فناول الأعرابي ولم يناول أبا بكر ، وقال الأيمن فالأيمن فالأيمن » . قال الزبيدي : وكرر لفظ الأيمن ثلاثا للتأكيد إشارة إلى ندب الابتداء بالأيمن ولو مفضولا ، وحكى عليه الاتفاق . قال ابن العربي : وتقديم من على اليمين ليس لمعنى فيه بل لمعنى في جهة اليمين ( وإلا ) أي وإن لم تلزم الأدب في قوتك وشرابك ( كنت حمالا للطعام ) والشراب ( مضيعا للأيام ) والأوقات ( إذ قد علمنا ) علما ( يقينا ) لا شك فيه ( بل رأينا عيانا ) أي معاينة ( أن العبادة لا يجئ منها شئ إذا امتلأ البطن ) ولذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه » الحديث ، وذلك لما فاته من خيور كثيرة جعل البطن كالأوعية التي تتخذ ظروفا توهينا لشأنه ثم جعله شر الأوعية لأنها تستعمل في غير ما هي له ، والبطن خلق لأنه يتقوم به الصلب بالطعام وامتلاؤه يفضى إلى فساد الدين والدنيا ، فيكون شرا منها ، ووجه تحقيق ثبوت الوصف
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 40 | السيد احمد بن زيني دحلان