سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 426
ولا لبّ فيه ، وما ينفع رفع السقوف ، ولم تحكم مبانيها ، وما يعقل هذه الحقائق إلّا العالمون باللّه المكاشفون ، والجوز المأكول معرب وأصله كوز بالكاف ( ولا لب فيه ) أي في ذلك الجوز ، ولب الجوز واللوز ونحوهما ما في جوفهما والجمع لبوب ( وما ) أي ليس ( ينفع رفع السقوف ) جمع سقف مثل فلس وفلوس ( ولم تحكم ) من الإحكام بكسر الهمزة بمعنى الاتقان ( مبانيها ) أي تلك السقوف ( وما يعقل ) ولا ينظر ( هذه الحقائق إلا العالمون باللّه المكاشفون ) . [ علم المكاشفة هو العلم باللّه عز وجل الدال عليه ] اعلم أن علم المكاشفة : هو العلم باللّه عز وجل الدال عليه الراد إليه الشاهد بالتوحيد له من علم الايمان واليقين وعلم المعرفة ، وذلك غاية العلوم كلها وإليه تنتهي همم العارفين لا يوجد وراءه مرمى للأنظار ، فقد قال : بعض العارفين فيما نقله صاحب القوت : من لم يكن له نصيب من هذا العلم : أي علم الباطن أخاف عليه سوء الخاتمة ولا سبيل إلى معرفته إلا بالذوق الصحيح ، ولا يكاد يلتذ به إذا جاء من غير نبي إلا أصحاب الأذواق السليمة ، وهو فوق طور العقل ولذا ربما مجته العقول الضعيفة التي لم توف النظر والبحث حقه ، ولهذا كان صاحبه إذا أراد أن يفهم منه لأصحاب الظاهر فلا بد له من ضرب الأمثال الكثيرة والمخاطبات الشعرية ، وقد يتسارع إلى الانكار على صاحبه وذلك لأنه فوق طور العقل ، ويحصل من نفث روح القدس يخص به تعالى النبي والولي لا يكون لغيرهما ، وعلوم المجتهدين كلها من هذا الباب . لكنهم أفصحوا في العبارة ففهمها الناس ولم ينكروها عليهم . وقال القطب الشعراني رحمه اللّه تعالى : وكان أخي أفضل الدين يتكلم على الآية من سبعين وجها ويقول : حقيقة العلوم التي تسمى باطنا إنما هي من علوم الظاهر لأنها ظهرت للقائل بها ، ولو أنها بطنت منه لما اهتدى لفهمها ولا لذكرها . فقلت له صحيح ولكن ذلك خاص بأجل الكمل ، فقال نعم فان الظاهر هو المعقول والمقبول الذي تكون منه العلوم النافعة والأعمال الصالحة . وأما الباطن فإنما هو المعارف الإلهية التي هي روح تلك العلوم والمعقولة والمقبولة انتهى . وأدنى النصيب منه إذا لم يمكنه التحلي به التصديق به جزما ، وتسليمه لأهله بعدم الانكار عليهم بقبول ما يرد من جهتهم بانشراح صدر وعدم اختلاج باطن فيكون في منزلة المحبين لهم ، فإن من ينكر على أولياء اللّه الوارثين لعلوم أنبياء اللّه يخاف عليه سوء الخاتمة . وقال بعضهم : من كان فيه خصلتان لم يفتح له شيء من هذا العلم : أي علم الباطن بدعة : وهي الفعلة المخالفة للسنة ، أو كبر بأن يرى نفسه أكبر من غيره . وقال الجنيد قدس سره : أعلى درجات الكبر أن ترى نفسك ، وأدناها أن تخطر ببالك : يعنى نفسك ، وقيل من كان محبا للدنيا ، أو مصرا على هوى لم يتحقق به : أي بعلم الباطن ولا يكون له منه نصيب ، وقد يتحقق بسائر العلوم الظاهرة ، وأقل عقوبة من ينكره أن لا يرزق منه شيئا أبدا ، هكذا عن أبي محمد سهل التستري . وقال أبو تراب النخشبى : إذا ألف القلب الإعراض عن اللّه صحبته الوقيعة في أولياء اللّه : أي لأنه أدبر عن النور