وآخر يتفكّر ساعة واحدة ، فتكون فكرة ساعة أفضل عند اللّه من عبادة سبعين سنة ، أليس هذا من الغبن العظيم أنّك متمكّن من ساعة خير من سبعين سنة ، وتترك ذلك من غير حاجة ، بلى واللّه إنّه لأعظم الغبن ، وإنّ إغفاله لأشدّ خسرانا ، وإنّ الخصلة الّتى لها هذه القيمة والخطر ، يجب أن تحذر وتجتنب ، ولمثل هذا المعنى إنّما وقع نظر أولى الأبصار من العبّاد
شرح
وآخر ) منهم ( يتفكر ساعة واحدة فتكون فكرة ساعة أفضل عند اللّه من عبادة سبعين سنة ) بل وردت السنة بأن تفكر ساعة خير من عبادة ثمانين سنة . رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللّه : التفكر نعت كل طالب وثمرته الوصول بشرط العلم ، فإذا سلم الفكر من الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق . ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكر زهدا فيها ، وفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطا عليه ورغبة فيه ، وفكر العارفين في الآلاء والنعماء فيزدادون محبة للخالق سبحانه . وقال الجنيد قدس سره : أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد ، وخرج بما ذكر التفكر في ذات اللّه فإنه منهى عنه . روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبصر قوما فقال : ما لكم ؟ فقالوا نتفكر في الخالق ، قال تفكروا في خلقه ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره » وقد ذكر المصنف فضيلة التفكر وحقيقته وثمرته وغير ذلك في الاحياء فانظر هناك ( أليس هذا ) الكدح المذكور ( من الغبن العظيم ) وذلك الغبن ( أنك متمكن من ساعة ) أي إلى ساعة ( خير من سبعين سنة وتترك ذلك ) أي تحصيل التفكر في الساعة الواحدة الذي هو خير من سبعين سنة ( من غير حاجة بلى واللّه إنه ) أي الترك لذلك التحصيل والاشتغال بالكدح ( لأعظم الغبن ) والنقص .
( تنبيه ) اعلم أن بلى حرف إيجاب ، فإذا قيل ما قام زيد وقلت في الجواب بلى ، فمعناه إثبات القيام ، وإذا قيل : أليس كان كذا وقلت بلى فمعناه التقرير والاثبات ولا تكون إلا بعد نفى إما في أول الكلام كما تقدم وإما في أثنائه كقوله تعالى« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى »والتقدير بلى نجمعهما . وقد يكون مع النفي استفهام وقد لا يكون كما تقدم ، فهو أبدا يرفع حكم النفي ويوجب نقيضه وهو الاثبات ذكره الفيومي في مصباحه ( وإن إغفاله ) أي الترك المذكور ( لأشد خسرانا ، وأن الخصلة التي لها هذه القيمة والخطر يجب أن تحذر ) من الفوات ( وتجتنب ) منه ( ولمثل هذا المعنى إنما وقع نظر أولى الأبصار ) أي أصحاب البصائر ( من العباد ) بضم العين جمع