في مثل هذه الدّقائق ، فاهتمّوا لمثل هذه الأسرار بمعرفتها أوّلا ، ثمّ رعايتها والتّحفّظ عنها ثانيا ، ولم تغنهم كثرة الأعمال بالظّاهر وقالوا الشّأن في الصّفوة لا في الكثرة ، وقالوا جوهرة واحدة خير من ألف خرزة ، وأمّا الّذين قلّ علمهم وكلّ في هذا الباب نظرهم ، فجهلوا المعاني ، وأغفلوا ما في القلوب من عيوب ، واشتغلوا بإتعاب النّفوس في الرّكوع والسّجود والإمساك عن الطّعام والشّراب ونحوه ، فغرّهم العدد والكثرة ولم ينظروا ما فيها من المنح والصّفوة ، وما يغنى عدد الجوز
شرح
عابد ( في مثل هذه الدقائق فاهتموا لمثل هذه الأسرار بمعرفتها ) أي الأسرار ( أولا ثم رعايتها والتحفظ عنها ثانيا ولم تغنهم ) أي أصحاب البصائر ( كثرة الأعمال بالظاهر وقالوا الشأن ) المحمود ( في الصفوة ) أي صفوة القلوب وتزكيتها عما يكدرها من الصفات المذمومة ( لا في الكثرة ) أي كثرة الأعمال بالظاهر ( وقالوا ) أي أصحاب البصائر في المثل ( جوهرة واحدة خير من ألف خرزة ) قال العلامة عبد الحق : الخرزة واحدة الخرز . في [ محيط المحيط ] : الخرز الجوهر كالماس والياقوت ونحوهما وما ينظم في السلك من الجزع والودع . وعند المولدين يختص بالحب المثقوب من الزحاج ونحوه تنظم منه المسابح والقلائد ونحوها انتهى ؛ وأيضا فيه : الجزع الخرز اليماني فيه سواد وبياض تشبه به الأعين اه ، وأيضا فيه : الودع خرز أبيض تخرج من البحر تتفاوت في الصغر والكبر شقها كشق النواة تعلق لدفع العين الواحدة ودعة والجمع ودعات ( وأما الذين قل علمهم وكل ) أي عمى ( في هذا الباب ) أي في مثل هذه الدقائق ( نظرهم فجهلوا المعاني ) والأسرار ( وأغفلوا ) أي تركوا وأهملوا ، في المصباح : وأغفلت الشئ إغفالا تركته إهمالا من غير نسيان ( ما في القلوب من عيوب واشتغلوا بإتعاب النفوس في الركوع والسجود والامساك عن الطعام والشراب ونحوه ) أي ما ذكر من الركوع وغيره ( فغرهم ) أي خدعهم ( العدد والكثرة ) في الأعمال الظاهرة وأصل الغرور : الغفلة وسكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع ( ولم ينظروا ما فيها ) أي في القلوب ( من المنح ) بكسر الميم : أي العطايا ( والصفوة ) حتى إن طائفة منهم اغتروا بالصوم الكثير ، وربما صاموا الدهر أو صاموا الأيام الشريفة وهم فيها لا يحفظون ألسنتهم عن الكذب والغيبة ، وخواطرهم عن الرياء وحب المحمدة ، وبطونهم عن أكل الحرام أو الشبهة عند الافطار وفي السحور ، وألسنتهم من الهذيان واللغو بأنواع الفضول طول النهار ، وهم مع ذلك يظنون بأنفسهم الخير فيهملوا الفرض ويطلبوا النفل ثم لا يقوموا بحقه وذلك غاية الغرور . وقد بسط الكلام على أنواع مداخل الغرور ومجاريه مصنفنا أبو حامد الغزالي في كتاب [ ذم الغرور ] من كتب إحياء علوم الدين فانظره تجد ما ينشرح به صدرك ( وما يغنى ) أي لا يكفى ( عدد الجوز )