تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
وأمّا شدّة الغبن ، فلأنّ الرّياء والعجب آفة عظيمة تقع في لحظة ، فربّما تفسد عليك عبادة سبعين سنة . وحكى أنّ رجلا أضاف سفيان الثّورىّ رحمه اللّه وأصحابه فقال لأهله : هاتوا الطّبق لا الّذى أتيت به في الحجّة الأولى ، بل الّذى أتيت به في الحجّة الثّانية ، فنظر إليه سفيان وقال : مسكين قد أفسد عليه بهذا حجّتيه ،
شرح
( وأما شدة الغبن ) والنقص ( فلأن الرياء والعجب آفة عظيمة تقع في لحظة فربما تفسد ) أي هذه الآفة ( عليك عبادة سبعين سنة . وحكى أن رجلا أضاف ) أي أطعم على سبيل الضيافة ( سفيان الثوري ) وتقدمت ترجمته ( رحمه اللّه وأصحابه فقال ) الرجل ( لأهله هاتوا ) أي أعطوا ( الطبق ) وهو إناء يحمل فيه الطعام . في المصباح : الطبق من أمتعة البيت والجمع أطباق مثل سبب وأسباب ، وطباق أيضا مثل جبل وجبال ( لا ) الطبق ( الذي أتيت ) أنا ( به ) أي بالطبق ( في الحجة الأولى ) إلى مكة المكرمة ( بل ) هاتوا الطبق ( الذي أتيت ) أنا ( به في الحجة الثانية ) لأنى حججت مرتين ( فنظر إليه ) أي إلى الرجل ( سفيان ) الثوري ( وقال ) هذا ( مسكين قد أفسد عليه ) أي على نفسه ( بهذا ) الذي قاله ( حجتيه ) وذلك لأن هذا المسكين يقول ما ذكر فرحا وسرورا باطلاع سفيان وأصحابه على حجته ومعرفتهم بذلك ، وهذا السرور يدل على رياء خفى منه ولولا التفات القلب إلى الناس لما ظهر سروره عند معرفة الناس واطلاعهم فلقد كان الرياء مستكنا في القلب استكنان النار في الحجر فأظهر منه اطلاع الخلق أثر السرور ، كما صرح به الغزالي رحمه اللّه .

[ السرور منقسم إلى محمود وإلى مذموم ، فالمحمود من السرور أربعة أقسام ]

فإن قلت : فما نرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته ؛ فالسرور مذموم كله أو بعضه محمود وبعضه مذموم . فنقول أولا كل سرور فليس بمذموم بل السرور منقسم إلى محمود وإلى مذموم فالمحمود أربعة أقسام : الأول : أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص للّه تعالى منها ، ولكن لما اطلع عليه الخلق علم أن اللّه أطلعهم عليه وأظهر الجميل من أحواله فيستدل به على حسن صنع اللّه تعالى به ونظره إليه وألطافه به فإنه يستر الطاعة والمعصية ، ثم اللّه يستر عليه المعصية ويظهر الطاعة فلا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل ، فيكون فرحه بجميل نظر اللّه وحسن عنايته به ورعايته له لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم ، وقد قال تعالى« قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا »فكأنه ظهر له أنه عند اللّه مقبول ففرح به ، ولكن ليس لكل أحد لم يختبر نفسه وعلم دسائسها أن يقول إنه مقبول عند اللّه ففيه خطر عظيم زلت بسببه أقدام خلق كثير . الثاني : أن يستدل باظهار اللّه تعالى الجميل وستره القبيح عليه في الدنيا أنه كذلك يفعله في الآخرة إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما ستر اللّه على عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة