تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
شرح
كغراب وجع الكبد . قال ابن القيم : وقد علم بالتجربة أن هجوم الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها ، بخلاف وروده على التدريج ، ألا ترى أن صب الماء البارد على القدر وهي تفور يضر ، وبالتدريج لا . ومن آفات النهل دفعة أن في أول الشرب يتصاعد البخار الدخاني الذي يغشى الكبد والقلب لورود البارد عليه ، فإذا شرب دفعة اتفق عند نزول الماء صعود البخار فيتصادمان ويتدافعان ، فتحدث من ذلك أمراض رديئة . [ الرابع ] أن يشرب في ثلاثة أنفاس يحمد اللّه في أواخرها ، ويسمى اللّه في أوائلها ، وهذا هو المراد بما رواه الترمذي في الشمائل وابن السنى والطبراني من حديث ابن مسعود رفعه « كان يتنفس في الإناء ثلاثا » أي بأن يشرب ثم يزيله عن فمه ويتنفس ثم يشرب ثم يفعل كذلك ، فإذا أخره حمد اللّه ، يفعل ذلك ثلاث مرات . وفي الغيلانيات من حديث ابن مسعود رفعه « كان إذا شرب تنفس في الإناء ثلاثا يحمد على كل نفس ويشكر عند آخرهن » ، وأما ما ورد من النهى عن التنفس في الإناء ، فالمراد به في جوف الإناء وذلك لأنه يغير الماء إما لتغير الفم بمأكول أو ترك سواك ، أو لأن النفس يصعد بخار المعدة وفي الشرب من غير تنفس ضرر كبير من جهة الطب ، ويندب أن يقول في آخر النفس الأول الحمد للّه ، وفي الثاني يزيد : رب العالمين . وفي الثالث يزيد : الرحمن الرحيم ، هكذا نقله صاحب القوت وصاحب العوارف . [ الخامس ] أن لا يشرب قائما ولا مضطجعا « فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن الشرب قائما » . رواه مسلم من حديث أنس ؛ وروى « أنه صلّى اللّه عليه وسلّم شرب قائما » . قال المصنف رحمه اللّه ولعله كان لعذر وهو الركوب . قال الطبري : ويجوز أن يحمل على ظاهره ، ويكون دليلا على إباحة الشرب قائما : وعن ابن عباس « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء إلى السقاية فاستسقاه ، فقال العباس يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشراب من عندها ، فقال اسقني ، فقال يا رسول اللّه إنهم يجعلون أيديهم فيه ، فقال اسقني ، فشرب ثم أتى زمزم وهم يسقون عليها ، فقال اعملوا فإنكم على عمل صالح ، ثم قال لولا أن تغلبوا لنزعت حتى أضع الحبل على هذه » . وأشار إلى عاتقه . قال الطبري : وفي هذا دليل على ترجيح الاحتمال الأول في الحديث قبله ، لأن قوله لنزعت يدل على أنه كان راكبا إلا أنه صلّى اللّه عليه وسلم مكث بمكة قبل الوقوف أربعة أيام بلياليها من صبيحة يوم الأحد إلى صبيحة يوم الخميس ، فلعل ابن عباس سقاه من زمزم وهو قائم في بعض تلك الأيام انتهى . وقال ابن حجر المكي في شرح الشمائل : قوله فشرب وهو قائم إنما فعله مع أن عادته الشرب قاعدا ونهيه عن الشرب قائما وقوله فيما رواه مسلم « لا يشربن أحدكم قائما فمن نسي فليقيء » للبيان أن نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الشرب قائما ليس للتحريم بل للتنزيه ، وأن الأمر بالاستقاء ليس للايجاب بل للندب ، وقول من قال : ليس الشرب من ماء زمزم قائما اتباعا له صلّى اللّه عليه وسلم إنما يسلم له لو لم يصح النهى عن الشرب قائما ، وأما بعد صحته قائما فيكون الفعل مبينا للجواز . لا يقال النهى مطلقا ، وشربه من ماء زمزم مقيد فلم يتواردا على محل واحد . لأنا نقول : ليس النهى مطلقا ، بل هو عام ، فالشرب من ماء زمزم قائما من أفراده ، فدخل تحت النهى فوجب حمله على أنه لبيان الجواز
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 39 | السيد احمد بن زيني دحلان