تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
شرح
أو ينصب رجله اليمنى ويجلس على اليسرى . قال ابن القيم : ويذكر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يجلس للأكل متوركا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر اليمنى تواضعا للّه عز وجل وأدبا بين يديه . قال : وهذه الهيئة أنفع الهيئات للأكل وأفضلها ، لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها اللّه تعالى عليه ، وأما حديث أنس « رأيته يأكل وهو مقع من الجوع » فقد أخرجه الترمذي أيضا في الشمائل ، ومعناها : أي جالس على أليتيه ناصب ساقيه ، هذا هو الإقعاء المكروه في الصلاة ، وإنما لم يكره هنا لأنه ثم تشبه بالكلاب ، وهنا تشبه بالأرقاء ففيه غاية التواضع ، ولهم إقعاء ثان لكنه مسنون في الجلوس بين السجدتين لأنه صح عنه صلي اللّه عليه وسلم أنه فعله فيه ، وهو أن ينصب ساقيه ويجلس على عقبيه . قيل وهذا هو المراد هنا ، والأصح الأول لأن هيئته تدل على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم غير متكلف ولا يعتنى بشأن الأكل . وفي القاموس أقعى في جلوسه : تساند إلى ما وراءه ، وهذا يشعر بمزيد الرغبة عن الأكل المناسب لحاله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحينئذ فمعنى وهو مقع من الجوع : أي مستند إلى ما وراءه من الضعف الحاصل له بسبب الجوع ، وبما قررته يعلم أن الاستناد ليس من مندوبات الأكل لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يفعله إلا لذلك الضعف الحاصل له صلّى اللّه عليه وسلّم . [ الأدب السابع ] أن لا يأكل فوق الشبع وفوق الجوع ، ويعتذر إذا شبع حتى لا يخجل الضيف أو من به حاجة فان الشبع المفرط يمنع من العبادة ولا يقوى عليها . قال صلى اللّه عليه وسلم « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن لم يفعل فثلث طعام وثلث شراب وثلث للنفس » رواه الترمذي . [ الأدب الثامن ] أن لا يأكل من ذروة القصعة ولا من وسط الطعام ، بل يأكل من استدارة الرغيف إلا إذا قل الخبز فيكسر الخبز ولا يقطع بالسكين ولا يقطع اللحم أيضا بالسكين كما هو عادة الأجلاف من الأتراك فقد نهى عنه وقال : « انهشوه نهشا » ولا يوضع على الخبز قصعة ولا غيرها إلا ما يؤكل به قال صلّى اللّه عليه وسلّم « أكرموا الخبز فان اللّه تعالى أنزله من بركات السماء » يعنى المطر وذلك لأن الخبز غذاء البدن والغذاء قوام الروح ، وقد شرفه اللّه وجعله من أشرف الأرزاق نعمة منه ، فمن تهاون به فوضع عليه غير إدامه فقد سخط النعمة وكفرها ، فإذا جفاها نفرت ، وإذا نفرت لم تكد ترجع ، رواه هكذا الحكيم الترمذي في نوادر الأصول . [ الأدب التاسع ] أن لا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدرى في أي طعامه البركة أي التغذية والقوة على الطاعة كما في خبر مسلم . [ الأدب العاشر ] أن يحمد اللّه تعالى بعد فراغه من الأكل . وأما آداب الشرب فهي كثيرة أيضا : [ الأول ] أن ينظر في إنائه قبل شربه لئلا يكون به شئ مما يؤذى من قذى وغيره . [ الثاني ] أن يسمى اللّه تعالى قبل الشرب ويحمده بعده . [ الثالث ] أن يشربه مصا أي على مهلة شربا رقيقا لاعبا : أي تتابعا من غير تنفس ، قال رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم « مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا » هكذا رواه البيهقي من حديث أنس ، وفي بعض الروايات زيادة « فان الكباد من العب » الكباد