قال اللّه تعالى :
( وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ )
فهذا نفس من أنفاسك الّتى لا قيمة لها عند أهل الدّنيا ولا عندك ، فكم تضيع أمثال ذلك في لا شئ ، وكم يمرّ عليك من الزّمان بلا فائدة ، وصار له كلّ هذا القدر العظيم ، لما أنّه وقع مرضيّا للّه تعالى فعظّم قدره وكثرت قيمته بفضله ، فحقّ للعاقل إذن أن يرى حقارة عمله وقلّة قدره من حيث هو ، وأن لا يرى إلّا منّة اللّه تعالى عليه فيما شرّف من قدر عمله وأعظم من جزائه ، وأن يحذر على فعله من أن يقع على وجه لا يصلح للّه ، ولا يقع منه موقع الرّضا فتذهب عنه القيمة الّتى حصلت له ، ويعود إلى ما كان في الأصل من الثّمن الحقير من دراهم أو دوانق وأحقر وأخسّ من ذلك .
شرح
من أن تحصى وفيما ذكرناه كفاية للعاقل ( قال اللّه تعالى ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن ) أي ومع ذلك مؤمن مخلص بايمانه ( فألئك يدخلون الجنة يرزقون ) يطعمون ( فيها ) في الجنة ( بغير حساب ) بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافا مضاعفة فضلا منه ورحمة ، ولعل تقسيم العمال وجعل الجزاء جملة اسمية مصدرة باسم الإشارة وتفضيل الثواب لتغليب الرحمة وجعل العمدة عمدة ، والإيمان للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل وأن ثوابه أعلي من ذلك قاله القاضي ( فهذا ) المذكور ( نفس ) بفتح الفاء ( من أنفاسك التي لا قيمة لها عند أهل الدنيا ولا عندك فكم تضيع أمثال ذلك ) النفس ( في لا شئ وكم يمر عليك من الزمان بلا فائدة وصار له ) أي لذلك النفس ( كل هذا القدر العظيم ) وذلك ( لما أنه ) أي النفس ( وقع مرضيا ) مقبولا ( للّه تعالى فعظم قدره وكثرت قيمته بفضله ) تعالى ( فحق للعاقل إذن ) أي حين إذ صار كل هذا القدر العظيم للعمل بسبب وقوعه في مرضاة اللّه ( أن يرى حقارة عمله وقلة قدره ) أي العمل ( من حيث هو ) أي ذلك العمل ( وأن لا يرى ) أي العاقل ( إلا منة اللّه تعالى عليه فيما شرف ) اللّه سبحانه ( من قدر عمله و ) فيما ( أعظم ) تعالى ( من جزائه ) وثوابه ( وأن يحذر على فعله ) أي العاقل ( من أن يقع ) أي فعله ( على وجه لا يصلح للّه و ) أن ( لا يقع ) فعله ( منه ) تعالى ( موقع الرضى ) والقبول ( فتذهب عنه ) أي عن ذلك الفعل ( القيمة التي حصلت له ) أي لما فعله من الأعمال ( ويعود إلى ما كان في الأصل من الثمن الحقير من دراهم أو دوانق ) بل ( وأحقر وأخس من ذلك ) أي المذكور من الدراهم أو الدوانق