شرح
فلا ضرر في إجالة اليد فيها ولا تقذر . رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عكراش بن ذؤيب وروى الخطيب في ترجمة عبيد بن القاسم عن عائشة مرفوعا « كان إذا أتى بطعام أكل مما يليه ، وإذا أتى بالتمر جالت يده فيه » .
[ الأدب الخامس ] أن يصغر اللقمة قدر ما يسعه الفم تصعيرا وسطا ويجود مضغها وما لم يبتلعها لم يمد اليد إلى الأخرى فان ذلك عجلة في الأكل ، وفي تصغير اللقمة سد باب الشره والإعانة على المضغ ، وفي جودة المضغ فائدة طبية وهي سرعة انهضامه في المعدة ، فما لم يجود مضغه بطىء هضمه .
[ الأدب السادس ] أن لا يأكل نائما أو متكئا إلا ما يتنقل به من الحبوب ، بل ينبغي أن يجلس الجلسة على السفرة في أول جلوسه ويستديمها ، كذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ربما جثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدميه ، وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى وكان يقول « لا آكل متكئا إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد » .
رواه أبو داود من حديث عبد اللّه بن بسر . قال الزبيدي : ورد بسند حسن « أهديت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم شاة فجثا على ركبته يأكل ، فقال له أعرابي ما هذه الجلسة ؟ فقال إن اللّه جعلني كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا » وإنما فعل صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك تواضعا للّه تعالى ، ومن ثم قال « إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد ، وآكل كما يأكل العبد » وفي خبر مرسل أو معضل عن الزهري « أتى النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ملك لم يأته قبلها ، فقال إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا أو نبيا ملكا ، فنظر إلى جبريل كالمستشير له فأومأ إليه أن تواضع ، فقال لا بل عبدا نبيا قال فما آكل متكئا قط » لكنه أخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد أنه أكل متكئا مرة فان صح فهو زيادة مقبولة ، ويؤيدها ما أخرجه ابن شاهين عن عطاء بن يسار : أن جبريل رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يأكل متكئا فنهاه ، وفسر الأكثرون الاتكاء الميل بالميل على أحد الجانبين لأنه يضر بالآكل فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة وتضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء . ونقل في الشفاء عن المحققين أنهم فسروه بالتمكن للأكل والقعود في الجلوس كالمتربع المعتمد على وطاء تحته لأن هذه الهيئة تستدعى كثرة الأكل والكبر ، وورد بسند ضعيف زجر النبي صلي اللّه عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل . قال مالك رحمه اللّه هو نوع من الاتكاء . قال بعض المتأخرين هنا في هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الأكل فيه متكئا ولا يختص بصفة بعينها .
واختلفوا في حكم الاتكاء في الأكل ، فقال ابن القاص كراهته من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال غيره : يكره أيضا لغيره إلا لضرورة ، وعليه يحمل ما ورد عن جمع من السلف ، وتعقب الحمل المذكور بأن ابن أبي شيبة أخرج عن جمع منهم الجواز مطلقا ، لكن يؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضا عن النخعي كانوا يكرهون أن يأكلوا تكأة مخافة أن تعظم بطونهم وإن ثبت كون الاتكاء مكروها أو خلاف الأولى ، فالسنة أن يجلس جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه