فإنّه يصرف عنك القلوب ، وينفر عنك النّفوس ، ويسخط عليك الخلق ، فيحصل لك بهذا الأمر سخط اللّه وسخط النّاس جميعا ، فيا له من خسران وحرمان .
ولقد ذكر عن الحسن أنّه قال : كان رجل يقول : واللّه لأعبدنّ اللّه عبادة أذكر بها ، وكان أوّل داخل في المسجد وآخر خارج منه ، لا يراه أحد حين الصّلاة إلّا قائما يصلّى وصائما لا يفطر ، ويجلس إلى حلق الذّكر ، فلبث كذا سبعة أشهر ، فكان لا يمرّ بقوم إلّا قالوا فعل اللّه بهذا المرائي وصنع فأقبل على نفسه باللّوم ، وقال لها : إنّى أراني في غير شئ لأجعلنّ عملي كلّه للّه ، فلم يزد على عمله الّذى كان يعمل قبل ذلك شيئا إلّا أنّه تغيّرت نيّته إلى الخير ، فكان بعد ذلك
شرح
فإنه يصرف عنك القلوب وينفر ) من باب ضرب في اللغة العالية : أي يعرض ويصد ( عنك النفوس ويسخط ) بضم الياء مع كسر الخاء من أسخط : أي يغضب ( عليك الخلق فيحصل لك بهذا الأمر ) أي القصد الفاسد ؛ وهو قصدك بعملك رضا المخلوقين ( سخط اللّه وسخط الناس جميعا فيا له من خسران وحرمان ) عن مطلوبه . روى الطبراني من حديث ابن عباس « من أسخط اللّه في رضا الناس سخط اللّه عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه ، ومن أرضى اللّه من سخط الناس رضى اللّه عنه وأرضى عنه من أسخط في رضاه حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينه » وروى أبو نعيم في الحلية من حديث عائشة « من أرضى الناس بسخط اللّه وكله اللّه إلى الناس ومن أسخط الناس برضا اللّه كفاه اللّه » وروى الخليلي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « من أرضى اللّه بسخط المخلوقين كفاه اللّه مؤنة المخلوقين ومن أرضى المخلوقين بسخط اللّه سلط اللّه عليه المخلوقين » ( ولقد ذكر عن الحسن ) البصري رحمه اللّه ( أنه قال : كان رجل يقول واللّه لأعبدن اللّه عبادة أذكر ) بالبناء للمفعول ( بها ) أي بتلك العبادة بين الناس ( وكان ) الرجل ( أول داخل المسجد وآخر خارج منه ) أي المسجد ( لا يراه أحد حين الصلاة إلا قائما يصلى وصائما لا يفطر ويجلس إلى حلق الذكر ) بكسر الحاء المهملة وفتح اللام أو بفتحهما على غير قياس جمع حلقة بفتح الحاء وسكون اللام : أي حلق القوم الذين يجتمعون مستديرين لذكر اللّه ( فلبث ) أي مكث الرجل ( كذا سبعة أشهر فكان لا يمر بقوم إلا قالوا فعل اللّه بهذا المرائي وصنع فأقبل ) الرجل لما سمع ذم القوم له ( على نفسه باللوم وقال لها ) أي لنفسه ( إني أراني ) أي أرى نفسي ( في غير شئ ) نافع واللّه ( لأجعلن عملي كله للّه فلم يزد ) أي الرجل ( على عمله الذي كان يعمل قبل ذلك ) أي جعل كل العمل للّه سبحانه ( شيئا إلا أنه تغيرت نيته ) من طلب ذكر الناس ( إلى الخير ) وهو قصده بعمله وجه اللّه عز وجل ( فكان بعد ذلك )