وضعف الرّأى وركّة العقل ، فما يناله العبد بعمله من الخلق من مدحة وحطام بالإضافة إلى رضا ربّ العالمين وشكره وثنائه وثوابه ، لأقلّ من فلس في جنب ألف ألف دينار وأضعاف ذلك ، بل في جنب الدّنيا وما فيها وأكثر وأكبر ، ألا يكون من الخسران المبين أن تفوّت نفسك تلك الكرامات العزيزة الشّريفة بهذه الأمور الحقيرة الدّنّيّة ، ثمّ إن كان ولا بدّ لك من هذه الهمّة الخسيسة فاقصد أنت الآخرة تتبعك الدّنيا ، بل اطلب الرّبّ وحده يعطك الدّارين ، إذ هو مالكهما جميعا وذلك قوله تعالى :
( مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ )
وقال عليه الصّلاة والسّلام : « إنّ اللّه تعالى ليعطى الدّنيا بعمل الآخرة ، ولا يعطى الآخرة
شرح
وضعف الرأي وركة العقل ) بفتح الراء : أي قلته وضعفه ( فما ) موصول : أي الذي ( يناله العبد بعمله من الخلق من مدحة ) بكسر الميم بيان لما ( وحطام ) أي متاع من الدنيا ( بالإضافة ) أي بالنسبة ( إلى رضا رب العالمين وشكره وثنائه وثوابه لأقل ) بلام الابتداء : أي أشد قلة ( من فلس في جنب ألف دينار وأضعاف ذلك ) أي أمثال ألف ألف دينار ( بل ) أقل ( في جنب الدنيا وما فيها وأكثر وأكبر ) من الدنيا وما فيها ( ألا يكون من الخسران المبين أن تفوت نفسك تلك الكرامات العزيزة الشريفة ) التي هي رضوان اللّه وشكره وثناؤه وثوابه ( بهذه الأمور الحقيرة الدنية ) أي الخسيسة التي هي المدحة والحطام من الخلق ( ثم إن كان ) الحال ( ولا بد لك من هذه الهمة الخسيسة فاقصد أنت الآخر تتبعك الدنيا بل اطلب الرب ) سبحانه وتعالى ( وحده ) أي منفردا بذاته ( يعطك ) الرب عز وجل ( الدارين ) أي الدنيا والآخرة ( إذ هو ) تعالى ( مالكهما ) أي الدارين ( جميعا وذلك ) أي دليل ما قلناه من أنك إذا طلبت الرب وحده يعطك الدارين لأنه مالكهما وخالقهما ( قوله تعالى« مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا )يعنى من كان يريد بعمله عرضا من الدنيا ( فعند اللّه ثواب الدنيا والآخرة ) يعنى الذين يطلبون بأعمالهم وجهادهم ثواب الدنيا وما ينالونه من الغنيمة مخطئون في قصدهم ، لأن اللّه عنده ثواب الدنيا وثواب الآخرة فلو كانوا عقلاء لطلبوا ثواب الآخرة حتى يحصل لهم ذلك ويحصل لهم ثواب الدنيا على سبيل التبعية ، والمعنى أن من أراد بعمله الدنيا آتاه اللّه منها ما أراد وصرف عنه من شرها ما أراد وليس له ثواب في الآخرة يجزى به ، ومن أراد بعمله وجه اللّه وثواب الآخرة فعند اللّه ثواب الدنيا والآخرة يؤتيه من الدنيا ما قدر له ويجزيه في الآخرة خير الجزاء ، هكذا ذكره الخازن ( وقال عليه الصلاة والسّلام إن اللّه تعالي ليعطى الدنيا بعمل الآخرة ) لأن أعمال الآخرة محبوبة له تعالى فمن اشتغل بأعمال الآخرة سهل عليه حصول رزقه « ومن يتق اللّه يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب » ( ولا يعطى الآخرة ) أي نعيمها