تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
كأنّ اللّه سبحانه يقول : إنّى خلقت السّموات والأرض وما بينهما ، في كلّ هذه الصّنائع والبدائع واكتفيت بنظرك لتعلم أنّى قادر عالم وأنت تصلّى ركعتين مع ما فيهما من المعايب والتّقصير فلا تكتفى بنظرى إليك وبعلمى بك وثنائى عليك وشكري لك حتّى تحبّ أن يعلم الخلق ليمدحوك بذلك أيكون ذلك وفاء
شرح
على كمال قدرته وعلمه ذكره القاضي البيضاوي ( كأن اللّه سبحانه يقول : إني خلقت السماوات والأرض وما بينهما في كل هذه الصنائع ) أي المصنوعات ( والبدائع ) أي المبدعات من الخلائق ( واكتفيت بنظرك لتعلم أنى قادر ) على كل الأشياء ( وعالم ) بجميع المعلومات ( وأنت تصلى ركعتين ) مثلا ( مع ما فيهما ) أي الركعتين ( من المعايب ) والمفاسد ( والتقصير فلا تكتفى بنظرى إليك وبعلمى بك وثنائى عليك وشكري لك ) بأن نعطيك الثواب الكثير على عملك الحقير ( حتى تحب أن يعلم الخلق ) وليس بيدهم شئ من النفع والضر ( ليمدحوك بذلك ) أي بفعلك الركعتين ( أيكون ذلك ) أي عدم الاكتفاء بنظرى وحب مدح الخلق ( وفاء ) بصدق العبودية : أي ليست وفاء به ، وذلك لأن الصدق في العبودية هو طرح الأغيار وعدم الالتفات إليها رأسا فلو كنت صادقا في عبودية الرب لقنعت بعلمه تعالى بك ولم تحب أن يعلمك غيره فتغار على حالك من رؤية الأغيار له ولهذا فضل عمل السر على عمل العلانية بسبعين ضعفا كما ورد في الخبر عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد سئل حكيم من الحكماء عن علامة العارف ؟ فقال : كتمان الطاعة ، هذا في البداية . وأما إن تحقق العبد في المعرفة ومشاهدة الوحدانية الصرفة فيجوز له الإخبار بأعماله والاظهار بمحاسن أحواله بناء منه على نفى الغير وأداء الواجب حق الشكر ، كان بعض السلف يصبح فيقول صليت البارحة كذا وكذا ركعة وتلوت كذا وكذا سورة ، فيقال له أما تخشى الرياء فيقول ويحكم وهل رأيتم من يرائى بفعل غيره ، وكان آخر يفعل مثل ذلك فيقال له لم لا تكتم ذلك ؟ فيقول ألم يقل اللّه سبحانه وتعالى« وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ »وأنتم تقولون لا تحدث فان قصد من هذا حاله إلى هداية عباد اللّه ودعائهم إلى اللّه تعالى فأظهر أحواله وأعماله للاقتداء به والاهتداء يهديه فهو خارج عن النمط الأول كله وداخل في حكم هذا النوع الثاني وعلانية هذا أفضل من سره لأنه سلم من الآفات التي تعرض لها غيره وحصلت منه الفوائد التي تضمنها إظهاره وجهره ، وقد جاء في الخبر « السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء » وهذا أرجح الوجوه عند العلماء في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم للرجل الذي سأله عن فرحه باطلاع الناس على بعض أعماله « لك أجران أجر السر وأجر العلانية » وقد فضل ما ذكرناه من إظهار الطاعة جماعة من الصحابة والتابعين منعنا من ذكر وقائعهم خشية الإطالة وكان ذلك منهم لأجل هذا الغرض ، ومقام هذا العبد مقام النصحاء لعباد اللّه والدعاة لهم إلى اللّه فلا جرم لهم الدرجات العلا عند اللّه تعالى لأنه من أئمة المتقين للّه ، وقد أخبر اللّه تعالى بجزائهم وذكرهم عقيب دعائهم بذلك ،