تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
أيكون ذلك عقلا يرضاه أحد لنفسه ويحك أفلا تعقل . الأصل الثّانى : أنّ من كان له جوهر نفيس يمكنه أن يأخذ في ثمنه ألف ألف دينار فباعه بفلس ، أليس يكون ذلك خسرانا عظيما وغبنا فظيعا ، ودليلا بيّنا على خسّة الهمّة وقصور العلم
شرح
فقال عز من قائل « أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما » . ثم قال المصنف رحمه اللّه ( أيكون ذلك ) أي عدم الاكتفاء وطلب المدح ( عقلا برضاه أحد لنفسه ويحك أفلا تعقل ) أن ذلك نقص وعيب في العبودية بل غفلة شنيعة . قال سهل ابن عبد اللّه التستري رحمه اللّه : من أحب أن يطلع الخلق على ما بينه وبين اللّه فهو غافل . وقال أبو الخير الأقطع رحمه اللّه : من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء ، ومن أحب أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب . وقال بعضهم لمن استوصاه : لا تحب أن تعرف ولا تحب أن تعرف أنك ممن لا يحب أن يعرف ، فعلى العبد إخفاء حاله جهده وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما عنده . قال الحسن رحمه اللّه : أدركت أقواما ما من أحد منهم يستطيع أن يسر شيئا من عمله إلا أسره وإن كان الرجل ليجلس مع القوم وإنه لفقيه وما يعلم به حتى يقوم ، ولقد أدركت أقواما يأتي أحدهم الزور فيقوم فيصلى وما يشعر به الزور ، ولقد أدركت أقواما وما من عمل يقدرون أن يعملوه للّه سرا فيكون علانية أبدا ، ولقد أدركت أقواما يجمع أحدهم القرآن وما يعرف به جاره ، ولقد أدركت أقواما يجتهدون في الدعاء وما يسمعهم أحد ، وقال محمد بن واسع رحمه اللّه : أدركت رجالا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بل ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه ، وفي رواية عنه : إن كان الرجل ليبكى عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم ، فان وقع منه إعلان وإظهار فليشتغل حينئذ بمراقبة قلبه وصونه عن أن يعمل فيه الفرح اطلاع الناس على حاله ولينكر ذلك على نفسه وليكرهه ولا يرضاه منها وليجاهد نفسه في ذلك أشد المجاهدة فان خالف هذا واستشرف إلى معرفة غير اللّه بحاله وغفل عن مجاهدة نفسه في حال ظهور ذلك منه ولو في لحظة خيف عليه أن يعمل الفرح في قلبه فيقع عند ذلك في الفتنة ، فإن كان ضعيفا لم يسلم من الوقوع في الرياء الجلى والخفي ، وإن كان قويا وسالكا سبيل المعرفة لم يسلم من السكون والركون فيفقد حينئذ الغيرة على الحال وينحط بذلك عن ذروة الكمال كما نبه عليه العلامة الزندى ( الأصل الثاني : أن من كان له جوهر نفيس يمكنه أن يأخذ في ثمنه ) أي هذا الجوهر ( ألف ألف دينار فباعه بفلس ) بفتح الفاء أي جديد وهي قطع من النحاس كانت معروفة ( أليس يكون ذلك ) البيع ( خسرانا عظيما وغبنا فظيعا ) أي نقصا شديد القبح ( ودليلا بينا على خسة ) أي دناءة ( الهمة وقصور العلم