سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 388
كمن ينفق علي نفسه في الجهاد مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ولا يؤذى أحدا من المؤمنين مثل أن يقول لو لم أحضر لما تم هذا الأمر ويقول لغيره أنت ضعيف لا منفعة بك في الجهاد انتهي ، والأذى في الآية المراد به التعيير أو الشتم ، وقيل المن ذكر الصدقة والأذى إظهارها وقيل المن أن يتكبر على المتصدق عليه والأذى أن يوبخه بالمسئلة ويقهره . قال مصنفنا الغزالي وعندي أن للمن أصلا في القلب ويتفرع منه على اللسان والجوارح فأصله أن يرى نفسه محسنا إلى الفقير ومنعما عليه وحقه العكس بأن يرى الفقير منعما عليه بقبوله حق اللّه منه . واعلم أن المن من الكبائر كما في الزواجر لقوله عليه الصلاة والسّلام « ثلاثة لا يكلمهم اللّه ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وقرأها ثلاثا فقيل له خابوا وخسروا من هم ؟ فقال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب » وفي رواية : « المنان لا يعطى شيئا إلا منه » ، وفي الحديث « أربعة لا ينظر اللّه تعالى إليهم يوم القيامة : عاق ومنان ومدمن خمر ومكذب بقدر ولا يدخل الجنة منان » وفي رواية « ثلاثة لا يحجبون عن النار عاق ومنان ومدمن الخمر » قال فيها وهو ظاهر من هذه الأحاديث للوعيد الشديد المذكور فيها . [ تنبيه : إنما كان المن من صفاته تعالى العلية ومن صفاتنا المذمومة ؟ الخ ] ( تنبيه ) إنما كان المن من صفاته تعالى العلية ومن صفاتنا المذمومة لأنه منه تعالى إفضال وتذكير بما يجب على الخلق من أداء واجب شكره ، ومنا تعيير وتكدير ، إذ آخذ الصدقة مثلا منكسر القلب لأجل حاجته إلى غيره معترف له باليد العليا ، فإذا أضاف المعطى إلى ذلك إظهار إنعامه تعديدا عليه أو ترفعا أو طلبا لمقابلته عليه بخدمة أو شكر زاد ذلك في مضرة الآخذ وانكسار قلبه وإلحاق العار به والنقص به وهذه قبائح عظيمة على أن فيه أيضا النظر إلى أن له ملكا وفضلا وغفلة عن أنه تعالى هو الملك الحقيقي وهو الذي يسر الاعطاء وأقدر عليه فوجب النظر إلى جناب الحق والقيام بشكره على ذلك والإعراض عما يؤدى إلى منازعة الحق في فضله وجوده إذ لا يمن إلا من غفل عن أن اللّه تعالى هو المعطى والمتفضل ، وعن عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم أنه كان أبوه يقول : إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه : أي لكونه يتكلف لك قياما ونحوه لأجل إحسانك إليه فكف سلامك عنه وتقدم هذا ، وسمع ابن سيرين رجلا يقول لآخر أحسنت إليك وفعلت فقال له اسكت فلا خير في المعروف إذا أحصى ، ومما أنشد للامام الشافعي رحمه اللّه تعالى : لا تحملن من الأنا * م عليك منه * واختر لنفسك حظها * واصبر فان الصبر جنه منن الرجال على القلو * ب أشد من وقع الأسنه ولبعضهم : وصاحب سلفت منه إلى يد * أبطى عليه مكافاتى فعادانى لما تيقن أن الدهر حاربني * أبدى الندامة مما كان أولانى أفسدت بالمن ما قدمت من حسن * ليس الكريم إذا أعطى بمنان