تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
والأذى والنّدامة والعجب والحسرة والتّهاون
شرح
عبد الرحمن بن يزيد : كان أبى يقول : إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فلا تسلم عليه ، والعرب تمدح بترك المن وكتم النعمة وتذم على إظهارها والمن بها ، قال قائلهم في المدح بترك المن :زاد معروفك عندي عظما * أنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته * وهو في العالم مشهور كبيروقال قائلهم يذم المنان بالعطاء :أتيت قليلا ثم أسرعت منة * فنيلك ممنون لذاك قليلوإذا عرفت هذا فاعلم أن المن هو إظهار المعروف إلى الناس والمن عليهم به ، وهو مذموم كما علمت . قال الفخر الرازي : وإنما كان المن مذموما لوجوه : الأول أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غيره معترف باليد العليا للمعطى فإذا أضاف إلى ذلك إظهار ذلك الانعام زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسىء إليه بعد أن أحسن إليه . والثاني إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك والثالث أن المعطى يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من اللّه تعالى عليه وأن يعتقد أن للّه عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ، وأن يخاف أنه هل قرن بهذا الانعام ما يخرجه عن قبول اللّه إياه ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير . والرابع وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك إعطاء إنما تيسر لأن اللّه تعالى هيأ له أسباب الاعطاء وأزال أسباب المنع ، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو اللّه في الحقيقة لا العبد فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيرا بنور اللّه تعالى وإذا لم يكن كذلك بل كان مشغولا بالأسباب الجسمانية الظاهرة ، وكان محروما عن مطالعة الأسباب الربانية فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر ( و ) خامسها ( الأذى ) وهو ما يصل إلى الانسان من ضرر بقول أو فعل كأن يعيره فيقول كم تسأل وأنت فقير أبدا وقد بليت بك وأراحنى اللّه منك وأمثال ذلك ، وهو مذموم ( و ) سادسها ( الندامة ) وذلك بأن لا يفعل ما يندم عليه من الأقوال والأفعال في العاقبة ( و ) سابعها ( العجب ) أي تحسين المرء فعل نفسه على غيره وإن كان قبيحا وهو فتنة العلماء فأعظم بها من فتنة وهو من المهلكات كما ورد في الخبر الذي تقدم ذكره ( و ) ثامنها ( الحسرة ) والندم على فوت الأعمال الصالحة وعدم الإخلاص في فعلها والمطلوب ضد تلك الحسرة وذلك بأن يغتنم الخيرات في جميع الأوقات ( و ) تاسعها ( التهاون ) بما عظم اللّه سبحانه من طاعة ، وورد في الحديث « إن اللّه أخفى أربعا في أربع أخفى رضاه في طاعته فلا تتهاون في شئ منها فلعل فيه رضاه وأخفى غضبه في معصيته فلا تحقرن شيئا منها فلعل فيه سخطه وأخفي سره في خلقه فلا تحقرن منهم أحدا فلعل السر فيه وأخفى الموت في وقته فاستعدله فلعله يأتي فيه » . قال العلامة بابصيل رحمه اللّه تعالى : فانظر إلى إبليس لما أمر بالسجود كيف أبعده اللّه من