الذين لا يرون للّه عليهم منة في أفعالهم ، وينكرون العون والتّوفيق الخاصّ والّلطف وذلك لشبهة استولت عليهم وصنف هم الذّاكرون للّه المنّة بكلّ حال ، وهم المستقيمون لا يعجبون بشئ من الأعمال ، وذلك لبصيرة أكرموا بها وتأييد خصّوا به . والثّالث وهم المخلطون ، وهم عامّة أهل السّنّة ، تارة ينتبهون فيذكرون منّة اللّه ، وتارة يغفلون فيعجبون بذلك لمكان الغفلة العارضة والفترة في الاجتهاد ، والنّقص في البصيرة .
فإن قلت : كيف حال القدرية والمعتزلة في أفعالهم ؟ فاعلم أنّ في ذلك اختلافات
شرح
تعالى وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم ومدعى الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن ينسب اليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه ، وفي الحديث « القدرية مجوس هذه الأمة » ، رواه أبو داود والحاكم وصححه على شرط الشيخين شبهم لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة كما قسمت المجوس فصرفت الخير إلى يزدان والشر إلى أهرمن ، ولا خفاء في اختصاص هذا الحديث بالقدرية هذا كلام الإمام وهناك أوجه أخر في وجه التشبيه ( الذين لا يرون ) أي لا يعتقدون ( للّه عليهم منة في أفعالهم وينكرون العون والتوفيق الخاص واللطف وذلك ) أي عدم اعتقادهم وإنكارهم ما ذكر ( لشبهة استولت ) أي غلبت ( عليهم ) ومن جملة شبهاتهم قولهم : إن الخير من اللّه والشر من العبد مستدلين بقوله تعالى« ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ »والجواب عنه أن التقدير من فعل نفسك لئلا يضيف الشر إلى اللّه عند الانفراد مراعاة للأدب وإن كان ذلك بتخليق اللّه وتسميته شرا بالنسبة إلى تعلقه بنا وضرره لنا لا بالنسبة إلى صدوره منه سبحانه ، وهذا أحد معاني حديث « والشر ليس إليك » وذلك لأن الإضافة على نوعين إضافة تحقيق وإضافة إكرام . فأما إضافة التحقيق فمثل قوله تعالى« وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » *وأما إضافة الاكرام فمثل قوله تعالى « ناقة اللّه - ورسول اللّه » ثم الطاعة مكرمة مرضية فجاز أن تضاف إلى اللّه عند الانفراد فيقال الخير من اللّه والمعصية ليست بمحل الإكرام حتى تضاف إلى اللّه عند الانفراد بل عند الجملة كما قال «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» فإنه لا يقال يا خالق الخنزير والعقارب والحيات مراعاة للأدب ، بل يقال يا خالق كل شئ كذا أفاده بعض المحققين ( وصنف هم الذاكرون للّه المنة بكل حال وهم المستقيمون ) على عبادة ربهم ( لا يعجبون بشئ من الأعمال ، وذلك ) أي ذكرهم المنة للّه واستقامتهم على العبادة ( لبصيرة ) أي علم وخبرة في قلوبهم ( أكرموا بها وتأييد ) وتوفيق ( خصوابه ) أي بالتأييد ( والثالث وهم المخلطون ) أعمالهم ( وهم عامة أهل السنة ) والجماعة : أي أكثرهم ( تارة ينتبهون فيذكرون منة اللّه وتارة يغفلون فيعجبون بذلك ) أي بأعمالهم ( لمكان ) أي لأجل ( الغفلة العارضة والفترة في الاجتهاد والنقص في البصيرة .
فإن قلت : كيف حال القدرية والمعتزلة في أفعالهم فاعلم أن في ذلك ) أي في أعمالهم ( اختلافات .