تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
بتوفيق اللّه سبحانه وأنّه الّذى شرّفه وعظّم ثوابه وقدره ، وهذا الذّكر فرض عند دواعي العجب نفل في سائر الأوقات .
شرح
( بتوفيق اللّه سبحانه وأنه ) تعالى هو ( الذي شرفه ) أي العمل ( وعظم ) سبحانه ( ثوابه وقدره وهذا الذكر ) أي ذكر المنة ( فرض عند دواعي العجب ) أي أسبابه ( نفل في سائر الأوقات ) .

[ إعلم أن كل علة علاجها إنما يكون بضدها ، وعلة العجب الجهل المحض وشفاؤها المعرفة ]

واعلم أن كل علة علاجها إنما يكون بضدها ، وعلة العجب الجهل المحض وشفاؤها المعرفة المضادة لذلك الجهل فقط ؛ وهو النظر إلى ما لا ينكره أحد ، وهو أنه تعالى هو المقدر لك على نحو العلم والعمل والمنعم عليك بالتوفيق لحيازته ويجعلك ذا نسب أو مال أو جاه . وكيف يعجب الشخص بما ليس إليه ولا منه وكونه محلا له لا يجديه شيئا لأن المحل لا مدخل له في الإيجاد والتحصيل ، وكونه سببا فيه نزول ملاحظته له إذا تأمل أن الأسباب لا تأثير لها وإنما التأثير لموجدها ، فينبغي أن لا يكون إعجابه إلا بما أسداه إليه الحق وأجراه عليه وآثره به دون غيره من مزايا جوده وكرمه مع عدم سابقة استحقاق منه لذلك . فان قال لولا ما علم فيّ من صفات محمودة ما آثرنى بذلك ، قيل له . وتلك الصفات أيضا من خلقه . قال السمرقندي : ومن أراد أن يكسر العجب فعليه بأن يرى التوفيق من اللّه تعالى فيشتغل حينئذ بالشكر ولا يعجب بنفسه ، وأن ينظر لنعمائه عليه فيشتغل بالشكر عليها ويستقل عمله فلا يعجب به ، وأن يخاف عدم قبوله فيشتغل به ولا يعجب بنفسه ، وأن ينظر في ذنوبه ويخاف أن ترجح سيئاته بحسناته . وكيف يعجب المرء بعمله ولا يدرى ما يخرج من كتابه يوم القيامة . قال ابن حجر في الزواجر : وكيف يسوغ لمن انطوى عنه علم خاتمته أن يعجب بأي نوع من أنواعه ، فلا أعبد من إبليس وبلعام ولا أقرب ولا أشفق من أبى طالب على نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا أشرف من الجنة ومكة ، وقد علمت ما وقع لأولئك من خاتمة السوء والعياذ باللّه تعالى وما وقع لآدم في الجنة ولكفار مكة فيها ، فاحذر العجب والغرور بنسب أو علم أو محل أو غير ذلك . هذا كله إن كنت تعجب بحق فكيف وكثيرا ما يقع بباطل ، قال تعالى« أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً »الآية ، وقد أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم « إن هذا يغلب على آخر هذه الأمة » إذ جميع أهل البدع والضلال إنما أصروا عليها لعجبهم بآرائهم الفاسدة وبذلك هلكت الأمم السابقة لما افترقوا فرقا وأعجب كل برأيه «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ-فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» أي أن ذلك كان مقتا واستدراجا «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ *» قال في روح البيان في سورة الحج : وفي الخبر « إن اللّه تعالى قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم « قل للقوى لا تعجبنك قوتك فان أعجبتك قوتك فادفع الموت عن نفسك وقال للعالم لا يعجبنك علمك فأخبرني متى أجلك ؟ وقل للغنى لا يعجبنك مالك وغناك فان أعجبك فأطعم خلقي عداء واحدا » فالإنسان عاجز واللّه على كل شئ قدير ومنه النعمة إلى الصغير والكبير