سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 379
وإنّما يلزمك اجتنابه لامرين : أحدهما أنّه يحجب عن التّوفيق والتّاييد من اللّه تعالى ، فإنّ المعجب مخذول ، فإذا انقطع عن العبد التّأييد والتّوفيق من اللّه تعالى فما أسرع ما يهلك ولذلك قال النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثلاث مهلكات شحّ مطاع ، والمعجب يرى أنه ظفر بمراده فلا يحتاج إليها ، ولذا قال تعالى « فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ » ومن تزكيتها اعتقاد أنها بارة وهو معنى العجب ، وعن مطرف رحمه اللّه : لأن أبيت نائما وأصبح نادما ، أحب إلى من أن أبيت قائما وأصبح معجبا . [ الآفات التي تتولد من العجب والفرق بينه وبين الكبر ] واعلم أن له آفات كثيرة كتولد الكبر منه فآفات الكبر آفات له ، وكظنه أنه لا يؤاخذ بالذنوب فلا يتدارك فرطتها واستعظام عبادته ، ومنه على اللّه بها فيعمى عن تفقد آفاتها فيضيع سعيه أو أكثره إذ العمل ما لم يتنق لا ينفع ، وإنما يحمل على تنقيته منها الخوف ، والمعجب غرته نفسه وأعجب برأيه وعقله وعمله حتى استبد بذلك ولم تطمئن نفسه أن يرجع لغيره في علم أو عمل فلا يسمع نصحا ولا وعظا لنظره غيره بعين الاحتقار فعلم أنه إنما يكون بوصف كمال في حد ذاته لكن ما دام صاحبه خائفا من سلبه فهو غير معجب به ، وكذا لو فرح به من حيث إنه نعمة من اللّه بخلافه من حيث إنه كمال متصف به مع قطعه النظر عن نسبته إلى اللّه فإنه العجب . واعلم أن الفرق بينه وبين الكبر : إما باطن وهو خلق في النفس ، واسم الكبر بذا أحق ، وإما ظاهر وهو أعمال تصدر من الجوارح ، وهي ثمرات ذلك الخلق وعند ظهورها يقال تكبر وعند عدمها يقال في نفسه كبر ، فالأصل هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فهو يستدعى متكبرا عليه ومتكبرا به ، والعجب لا يستدعى غير المعجب به حتى لو فرض انفراده دائما أمكن أن يقع منه ، ومجرد استعظام الشئ لا يقتضى التكبر إلا إن كان ثم من يرى أنه فوقه ( وإنما يلزمك اجتنابه ) أي العجب ( لأمرين : أحدهما أنه يحجب عن التوفيق والتأييد من اللّه تعالى فإن المعجب ) بنفسه أو برأيه ( مخذول فإذا انقطع عن العبد التأييد والتوفيق من اللّه تعالى فما أسرع ) صيغة تعجب ( ما يهلك ، ولذلك ) أي لأجل سرعة الهلاك عند انقطاع ما ذكر ( قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) فيما رواه أبو بكر البزار في مسنده وأبو نعيم في الحلية من رواية زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري عن أنس بن مالك رفعه : ثلاث كفارات وثلاث درجات وثلاث منجيات ( وثلاث مهلكات ) أي موقعات في الهلاك لفاعلها ، أما المكفارات فانتظار الصلاة بعد الصلاة وإسباغ الوضوء في البردات ، ونقل الأقدام إلى الجماعات . وأما الدرجات فإطعام الطعام وإفشاء السّلام والصلاة بالليل والناس نيام . وأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى وخشية اللّه في السر والعلانية . وأما المهلكات ف ( شح مطاع ) أي بخل يطيعه الانسان فلا يؤدى ما عليه من حق الحق وحق الخلق . قال الراغب : خص المطاع لينبه أن الشح في النفس ليس