الذين يغتنمون ضيق الدّنيا وعسرها ، ويتغالون في ذلك فيما بينهم ، ويعدّونه من اللّه تعالى منّة عظيمة ، ويخافون إذا بدا لهم من اللّه سعة من الدّنيا الّتى لا يعدّها أكثر النّاس إلّا الإحسان والنّعمة ، أن يكون ذلك استدراجا من اللّه تعالى ومصيبة ؛ كيف وبطانتهم الأسفار والطّىّ في عموم الأحوال ، ومقدّموهم يقولون : الجوع رأس مالنا ، فهذا وضع مذهب أهل التّصوّف وهو مذهبي ومذهب أشياخي ، وبذلك جرت سيرة سلفنا .
وأمّا تقصير بعض المتأخّرين فلا يعتبر به . وإنّما ذكرنا هذا الفصل لئلّا يغمز فيهم مخالف جهلا منه بمقاصد القوم ،
شرح
( الذين يغتنمون ضيق الدنيا وعسرها ويتغالون ) أي يشددون حتى يتجاوزوا الحد ( في ذلك ) أي ضيق الدنيا وعسرها ( فيما بينهم ويعدونه ) أي الضيق والعسر ( من اللّه تعالى منة عظيمة ويخافون ) أي هؤلاء السلف ( إذا بدا ) أي ظهر ( لهم من اللّه : سعة من الدنيا التي لا يعدّها أكثر الناس إلا الإحسان والنعمة أن يكون ذلك ) أي بدو السعة من الدنيا وظهورها ( استدراجا ) هو ترك المعاجلة ، وأصله النقل من حال إلى حال . قال تعالى« سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ » *أي سنأخذهم بعظمتنا على التدريج لا على غرة في عذاب لا شك فيه : قال الحسن البصري : كم مستدرج بالإحسان إليه وكم مفتون بالثناء عليه وكم مغرور بالستر عليه ( من اللّه تعالى ومصيبة كيف وبطانتهم ) أي محبوبهم ( الأسفار والطىّ ) أي الجوع ( في عموم الأحوال ، ومقدموهم يقولون الجوع رأس مالنا ، فهذا ) الذي ذكرناه ( وضع ) أي أصل ( مذهب أهل التصوف وهو مذهبي ومذهب أشياخي ، وبذلك ) المذهب ( جرت سيرة سلفنا ) قال المحاسبي : ولقد بلغنا أنهم كانوا إذا أقبلت الدنيا عليهم حزنوا وقالوا : ذنب عجلت عقوبته من اللّه تعالى وإذا رأوا الفقر مقبلا قالوا مرحبا بشعار الصالحين ، وبلغنا أن بعضهم كان إذا أصبح وعند عياله شئ أصبح كئيبا حزينا وإذا لم يكن عندهم شئ أصبح فرحا مسرورا فقيل له إن الناس إذا لم يكن عندهم شئ حزنوا وإذا كان عندهم شئ فرحوا وأنت لست كذلك . قال إني إذا أصبحت وليس عند عيالي شئ فرحت إذ كان لي برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسوة وإذا كان عند عيالي شئ اغتممت إذ لم يكن لي بآل محمد أسوة وبلغنا أنهم كانوا إذا سلك بهم سبيل الرخاء حزنوا وأشفقوا وقالوا ما لنا وللدنيا وما يراد بها فكأنهم على جناح خوف وإذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا واستبشروا وقالوا : الآن تعاهدنا ربنا : أي نظر إلينا بالرضى فهذه أحوال السلف ونعتهم وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا ( وأما تقصير بعض المتأخرين فلا يعتبر به ، وإنما ذكرنا هذا الفصل لئلا يغمز ) أي يعيب ( فيهم ) أي في هؤلاء السلف ( مخالف جهلا منه ) أي من المخالف ( بمقاصد القوم