أعنى قراءة هذه السّورة عند الشّدّة في أمر الرّزق والخصاصة ، إنّما هو شئ وردت به الأخبار المأثورة عن النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعن الصّحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين ، حتّى أنّ أبى مسعود حين عوتب في أمر ولده ، إذ لم يترك لهم من الدّنيا شيئا ، قال لقد خلّفت لهم سورة الواقعة ، ومن ذلك الأصل في السّنة جرت هذه الخصلة في سير علمائنا رحمهم اللّه ، وإلّا فلا مبالاة لهم بحمد اللّه تعالى بشدّة في أمر الدّنيا أوسعة ، وهم
شرح
السين وسكون الياء : أي الطريقة والحالة ( أعنى قراءة هذه السورة ) أي سورة الواقعة ( عند الشدة ) والعسرة ( في أمر الرزق والخصاصة ) أي الحاجة ( إنما هو ) أي المذكور من السيرة ( شئ وردت به الأخبار المأثورة ) أي المنقولة ( عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعن الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين ) منها ما رواه البغوي بسنده عن أبي ظبية عن عبد اللّه بن مسعود قال :
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا » وكان أبو ظبية لا يدعها أبدا ، وأخرجه ابن الأثير في كتابه جامع الأصول ولم يعزه ( حتى إن ) عبد اللّه ( بن مسعود ) الصحابي ، روى له عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين وانفرد البخاري بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين ( حين عوتب في أمر ولده إذ لم يترك لهم ) أي الأولاد ( من الدنيا شيئا قال ) ابن مسعود ( لقد خلفت ) أي تركت ( لهم سورة الواقعة ) وذكر أبو عمر بن عبد البر في التمهيد والتعليق والثعلبي أيضا أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود يعوده في مرضه الذي مات منه فقال ما تشتكي ؟ قال ذنوبي . قال فما تشتهى ؟ قال رحمة ربى . قال أفلا ندعو لك طبيبا ؟ قال الطبيب أمرضني . قال أفلا نأمر لك بعطائك ؟ قال لا حاجة لي فيه ، حبسته عنى في حياتي وتدفعه لي عند مماتي . قال يكون لبناتك من بعدك . قال : أتخشى على بناتي الفاقة من بعدى إني أمرتهن أن يقر أن سورة الواقعة كل ليلة فانى سمعت رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم يقول « من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا » . قال العلامة عبد الحق : وكان لابن مسعود ثلاثة بنين وهم عبد الرحمن وبه كان يكنى وعتبة وأبو عبيدة ، واسم أبى عبيدة عامر ، وقيل اسمه كنيته واتفقوا على أن أبا عبيدة لم يسمع أباه ورواياته عنه كثيرة وكلها منقطعة ، وأما عبد الرحمن فقال علي بن المديني والأكثرون سمع أباه ، وقال أحمد بن حنبل توفى ابن مسعود ولابنه عبد الرحمن ست سنين ، وقال يحيى بن معين :
لم يسمع أباه ( ومن ذلك الأصل ) من الأخبار ( في السنة ) أي القحط ( جرت هذه الخصلة ) وهي قراءة سورة الواقعة عند العسرة ( في سير علمائنا ) أي طريقتهم فالسير بكسر السين وفتح الياء جمع سيرة بسكون الياء بمعنى الطريقة والحالة والهيئة ( رحمهم اللّه وإلا ) يكن الأصل في السنة ( فلا مبالاة لهم بحمد اللّه بشدة ) أي بعسرة ( في أمر الدنيا أو سعة ، وهم ) أي علماؤنا