تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
فإن قلت : إذا كان القصد من الدّنيا الّتى يريدها من اللّه التّعفّف عن النّاس والعدّة على عبادة اللّه يكون ذلك رياء ؛ فاعلم أنّ التّعفّف ليس في كثرة المال والجاه والحطام ، وإنّما هو في القناعة والثّقة بكفاية اللّه سبحانه . وأمّا العدّة على عبادة اللّه تعالى ، فإذا كان مراده ذلك فلا يكون رياء ، وذلك ما يتّصل بأمر الآخرة وأسبابها ، ويصير قصده قطعا لذلك ، فإن أريد بعمل الخير هذا النّوع لا تكون تلك الإرادة رياء ، لأنّ هذه الأمور تصير بتلك النّيّة خيرا أو تصير في حكم أعمال الآخرة ، ولا تكون إرادة الخير رياء ، وكذلك إن أردت أن يكون لك تعظيم عند النّاس ،
شرح

[ إعلم أن التعفف ليس في كثرة المال والجاه والحطام ، وإنما هو في القناعة والكلام على القناعة ]

( فان قلت : إذا كان القصد من الدنيا التي يريدها من اللّه التعفف ) أي طلب العفة والامتناع ( عن الناس ، و ) كان القصد منها أيضا ( العدة على عبادة اللّه يكون ذلك ) أي القصد والعدة ( رياء ) أم لا ؟ ( فاعلم أن التعفف ليس في كثرة المال والجاه والحطام ) أي حطام الدنيا ومتاعها الذي يصير آخره فانيا ( وإنما هو ) أي التعفف ( في القناعة ) أي الرضا باليسير من العطاء ، وفي شرح رسالة القشيري أنها الاكتفاء بما تندفع به الحاجة من مأكل وملبس . واعلم أنه لا شئ أعز من القناعة . قال عليه الصلاة والسّلام « القناعة كنز لا يفني » ، وقد فسر بعض المفسرين الحياة الطيبة في قوله تعالى« مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً »بها ، وقال عليه الصلاة والسّلام : « عز من قنع وذل من طمع » ، ولابن حجر العسقلاني :أمتّ مطامعى ولزمت بيتي * فطاب الأنس لي ونما السرور وأدبنى الزمان فما أبالي * أسار الجيش أم ركب الأمير وأنسى والمجالس لي كتابي * فريدا لا أزار ولا أزوروكم ورد في فضل القناعة من آيات وأخبار وآثار ليس هذا محل بسطها ( و ) في ( الثقة بكفاية اللّه سبحانه ) في شأن الرزق وغيره ( وأما العدة على عبادة اللّه تعالى فإذا كان مراده ) أي العبد ( ذلك العدة ) أي العدة ( فلا يكون ) قصده من الدنيا التي يريدها من اللّه بعمله ( رياء وذلك ) أي العدة ( ما يتصل بأمر الآخرة وأسبابها ويصير قصده ) أي العبد ( قطعا ) أي جزما ( لذلك ) العدة ( فان أريد بعمل الخير هذا النوع ) أي العدة ( لا تكون تلك الإرادة رياء ، لأن هذه الأمور تصير بتلك النية ) أي نية العدة للعبادة ( خيرا أو تصير في حكم أعمال الآخرة ولا تكون إرادة الخير رياء وكذلك ) أي الصيرورة في حكم أعمال الآخرة ( إن أردت أن يكون لك تعظيم عند الناس
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 374 | السيد احمد بن زيني دحلان